محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩ - الخطبة الأولى
فيك، بين كل جزء جزء من أجزائك.
وليس من ذرة في الكون إلا وهذا حالها، وليست تركيبة الكون كلّه إلا على هذا المجرى، وإذا كان قلبك مملوكاً لله عزّ وجل، وأنت كذلك، فإن قلبك لا يُسيّرك إلا بتوسّط قدرة الله، وإنّك لا تملك من قلبك شيئا إلا بقدر الله سبحانه وتعالى.
حبّك، بغضك، حزنك، فرحك، تفكيرك، كلّ شيء فيك من عمليات قلبيَّة دقيقة لا تتمّ إلا بفيض من الله سبحانه وتعالى، وتقدير وتدبير.
تقول بعض الأحاديث حول هذه الآية الكريمة:" في قوله تعالى: (... أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ ...) هو أن يشتهي الشّيء بسمعه وبصره ولسانه ويده ٥، أما إن هو غشي شيئاً بما يشتهي فإنّه لا يأتيه إلا وقلبه منكِر لا يقبل الذي يأتي، يعرف أنّ الحق ليس فيه/ (وفي خبر هشام) يحول بينه وبين أن يعلم أنّ الباطل حقّ/" ٦.
صنعة الله، صبغة الله، فطرة الله لا تبديل لخلق الله.
غُرس الحق في النفس حقّاً، وغُرس الباطل في النفس باطلًا، في نفسك رسول إليك، في نفسك حجة عليك. رسولٌ يُميّز في داخلك بين الحق والباطل، وهذا التمييز لا يأتي عليه تغيير جذري يتحوّل معه الحق في النفس باطلا بوضوح، والباطل في النفس حقا بوضوح كما تُفيده الأحاديث الشريفة.
أشتهي الباطل، أأتي الكذب لا سمح الله، أأتي الغيبة لا سمح الله، ولكن ليس لي قلب يقول لي إنك على حق، وأن هذا هو الهدى، وفي هذا كامل الصواب.
تبقى الفطرة منكرة، يمكن أن تتغطّى، يمكن أن تغفل تلك اللحظة، لكن يبقى الرسول في النفس، والحجة في النفس، وما يأتي على الحجَّة من غبار فهو من مسؤولية الإنسان.