محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣٦ - الخطبة الأولى
الأَبد، وكم من مهموم أدرك أمله" ١٠.
الأهداف في الدنيا متفاوتة، منها هدف طويل القامة، ومنها قصير القامة، ولكن كل أهداف الدنيا قصيرة قامتها إذا قِيست بهدف الآخرة، وأكبر الناس وأسماهم من كان همُّه همّاً أخروياً. وما تقدم الأنبياء والمرسلون والأئمة عليهم السلام كل القوافل البشرية إلا لأن همّتهم لم تكن في الدنيا وإنما كانت في الآخرة. وصاحب الآخرة بناؤه لنفسه، وصاحب الدنيا بناؤه لبيته، وزرعه لحقله.
صاحب الآخرة طريقه إليها سموٌّ في النفس، وطهارة في القلب، وتربية عالية للذّات، ومن هذا يتخرّج نموذجاً إنسانياً رفيعاً، وقدوةً صالحةً لكل الأجيال.
حين يكون همُّ المرء رضوان الله، وبلوغ الدرجات العالية عنده في الجنّة ينصبُّ اهتمامه على صناعة ذاته الصناعة التي تُرضي الله وليس من صناعة أرقى وأروع من صناعةٍ للذات تأتي في ضوء أسماء الله، وعلى أساس طلب رضوانه.
والهمم العالية تتطلّب جهدا متواصلًا، وجهادا مخلصا مستمرّاً، وليس من جهاد بنّاء، وليس من جهاد يصفّي الذات وينقّيها ويعليها كما هو الجهاد في الله تبارك وتعالى (وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا ....) ١١.
وعلى هذا الطريق؛ طريق الانسجام مع الهمّة العالية من حيث الجهد والجهاد نقرأ" مَن أسهر عين فكرته بلغ كنه همّته" ١٢.
أن تكون الهمّةُ عالية، والتفكير متّجهٌ إلى أمر آخر، أو أن يُعطِّل الإنسان تفكيره، ولا يشحذ فكره فإنّه غير بالغ ما تقضي به همّته. يتطلّب بلوغ الهمم العالية التفكير، والتدقيق، والتأمُّل، ونشاط الحركة الفكرية. الفرد، المجتمع، الأمة إذا كانت لهم همّة عالية فإنهم