محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩٩ - الخطبة الأولى
به من تلك الهيبة، وربما برّ الإبن أباه بعد شبابٍ لأنه يجد أن المال الذي يصله عن طريق أبيه، ولأن أباه أقدر أن يؤثّر على واقعه، أما برّه لأمّه بعد أن يكبر فلا ينطلق في الغالب إلا من احترام أمر الله تبارك وتعالى، فهو برٌّ أصدق.
ونقرأ هذا الحديث عن زين العابدين عليه السلام:" جاء رجل إلى النّبيّ صلّى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله ما من عمل قبيح إلّا قد عملته فهل لي من توبة؟ فقال له رسول الله: فهل من والديك أحد حيٌّ؟ قال: أبي، قال: فاذهب فبرّه.
قال: فلمّا ولّى، قال رسول الله: لو كانت أُمّه" ٣.
برّ الوالد سيكون مدخلًا لطاعة الله عزّ وجلّ، ويستحقّ به العبد تنزُّل الرحمة والعناية الإلهيتين لينقله ذلك من البُعد إلى القُرب الإلهي، بعمل البرّ بوالده ستنفتح له نافذة على رحمة الله وألطافه لتنقله من واقع المعصية إلى واقع الطاعة، وليتوفّق إلى التوبة الصادقة في كل أموره.
وقوله صلّى الله عليه وآله فيما نُقل عنه" لو كانت أُمّه" يعني لو وُجدت أمّه، لو كانت أمّه حيّة لقُدِّم الأمر بالبرّ بها على الأمر بالبرّ بوالده. فإنّ البر بالأم سينفتح به عليه باب من الرحمة أكبر، والوجه في ذلك قد يكون ما تقدّم.
(فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ) ٤ أف كلمة تضجّر بسيطة، تعني التضايق، تعني شدّة الضغط (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً) ٥.
حالة كبر الأبوين حالة حدّة المزاج، وحالة كثرة المطالب، وشدّة الحاجة إلى العون، فلا يزالان يطلبان، ولا يزالان يغضبان، ولا يزالان يحتدّان، والصبر على ذلك كلّه يحتاج إلى توفيق كبير بالنسبة للولد، وهنا قد يضيق صدر الولد لا لينفُر من الطاعة، ولا ليُعبّر عن غضب وإنما قد تأتي كلمة أُفٍّ تعبيراً عن ثقل المسؤوليات والمطالب، وهذا كبير أن