محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٣٧ - الخطبة الأولى
أما بعد أيها الكرام من المؤمنين والمؤمنات أجمعين فهذه عودة للحديث في موضوع الابتلاء في حلقة أخرى تتمثّل كغيرها في وقفة مع بعض النصوص الشريفة:
الكلمة عن علي عليه السلام:" لتُبلبلن بلبلة، ولتُغربلن غربلة حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم، وليسبقن سبّاقون كانوا قصّروا، وليقصّرن سبّاقون كانوا سبقوا" أبطال الرخاء غير أبطال الشدة، ورجال السّرّاء غير رجال الضرّاء، والإيمان الهشّ الضعيف، حال الجوّ الهادئ يتبيّن فشله عندما تطغى أمواج الفتن، والأحداث مختبر الرجال، فكثير من الرجال وهم مغمورون تُظهرهم الأحداث قِمماً، وكثير ممن يتبوؤن القمم في حال هدأة الموج ينغمرون تحت طغيان الموج عندما تكبر الشدائد. ولذلك تأتي كلمة علي عليه السلام وهي فيما يُرى تعالج هذا المعنى.
" إنّ أشدّ الناس بلاءً الأنبياءُ ثم الذين يلونهم ثم الأمثل فالأمثل" وهي عن الصادق عليه السلام. بلاء الأنبياء ليس في الأكثر هو بلاء أمراض، مسؤولياتهم ضخمة وهم عند مسؤولياتهم، وكلما كبرت المسؤولية، وكان صاحبها قائماً بما تفرضه كلما كثر أعداؤه واشتدّت محنته. وليس أكبر من مسؤولية الأنبياء، وليس من مسؤولية يمكن أن تجمع أعداءً للشخص كما تفعل مسؤولية الأنبياء التي تجعلهم في مواجهة مكشوفة وحادّة مع الطغاة.
ضخامة المسؤولية، والإخلاص للمسؤولية، والأخلاقيّة الإيمانية الملتزمة التي لا تُتيح للشخص أن يُنفس عن نفسه كما يُنفّس الآخرون عن أنفسهم تلك الأخلاقية التي تفرض على صاحبها أن يتعالى على كل الجراح، وأن يكبر على كل المنازلات الرخيصة تُتعبه، وتُحمّل نفسه الكثير من الضنى، حتى تتجاوز تلك النفس ما عليه الناس من سفاسف الأمور، وتعيش لذّة الوصال الإلهي بحيث تتغذّى بشكل كافٍ على ذلك الوصال.