محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١١٤ - الخطبة الأولى
لهذا أنه لا تضرّه فتنة ما دامت السماوات والأرض. أن يقف أحدنا مجاهداً أمام الفتن، متماسكاً، يُغالب النفس وهواها، ويدافع الشيطان ووسوسته وضلالته، تكون النتيجة لمجاهدته هذه كبرى جداً، وهي أن يقوى القلب، تقوى مقاومته، ويكبر على الفتن، ويكون له من هدايات الله الخاصة ما يجعله أقوى من أن يفتتن.
أما القلب الآخر الذي يستقبل الفتنة برخاوة، ويستكين أمام الرغائب والشهوات، ويستسلم لمصائد الشيطان فإنّه يكون كالكوز مائلا أو منكوساً، والكوز إذا مال أو انتكس لا يستوعب ماءاً، يتفرغ من صلاحية الاستيعاب، يخسر ماءه، ولا يقبل ماءً جديداً يستوعبه.
فالقلب حين يميل أو ينتكس كأن هداه يتصبّب تصبّباً أو ينسكب انسكاباً سريعاً، ثم لا يقبل أن يستقبل الهدى من جديد.
وهذا هو آخر ما يمكن أن يصل إليه الإنسان من سقوط، ومن فقدٍ للقابلية والاستعداد للحياة الكريمة، والمنقلب السعيد.
يقول الحديث" لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً إلا ما أُشرب من هواه" يبقى القلب خالياً من الهدى مملوءاً بالهوى.
وإذا كانت للقلوب أمراض فإن لها شفاءً ودواءً، ولا يداوي القلب كذكر الله، والأخذ بشريعته تبارك وتعالى.
(يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ) ٥ هذا القرآن العظيم فيه شفاء للصدور من جهلها، وشكّها وريبتها، واضطرابها وقلقها، من حقدها وحسدها، من أوهامها وضلالاتها، من كل ما يعيق عن الوصول إلى الله تبارك وتعالى،