محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦١٨ - الخطبة الأولى
اللهم ارحمنا برحمتك، ولا تكلنا إلى أنفسنا أو إلى أحد من خلقك طرفة عين يا كريم يا رحيم.
أما بعد أيها الملأ الطيب فلا زال الحديث في منبِّهات روح التوحيد باستنطاق الفطرة الكنز الكبير في كيان الإنسان، والذي ترجع إليه كل ذخائر الفكر، وهدايات الإيمان، والنفحات العبقة للشعور الكريم.
بسم الله الرحمن الرحيم: (قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى) ١.
الخلق فعل الله، وهو مرتبة، والهداية خلق الله وهي مرتبة أخرى، وكما أن لا شيء إلا وهو مخلوق لله فإنّه لا شيء من الهداية إلا وهو من الله.
وما خلق الله شيئاً إلا وجعل له غاية، وكل شيء قد هداه الله إلى غايته، لا من شيء في هذا الكون إلا وله موقع، وله دخالة في تكميل الصورة الكونية العامة، وله مشاركة فيما أراد الله عز وجل لهذا الكون من غاية، مشاركة إيصال، وبلوغ بهذا الكون إلى غايته.
ناسب الله تبارك وتعالى بين كل شيء في غايته، وبين خصائص خلاياه وأجهزته، فجاء كل شيء يحمل هداية الله إلى الغاية التي رسمها له، ولا شيء ينحدر عن طريق الغاية التي حددها الله له حيث إن الله عز وجل لا تدخل علمه الغفلة ولا النسيان ولا شيء من الضلال.
والهدايات على مستويات؛ هناك الهدى التكويني القسري كما في عمل أجهزة الجسم الداخلي، كما في عمل الجهاز العصبي، الليمفاوي، العضلي، الهضمي الداخلي، كل الأجهزة الأخرى، وكما في عمل القلب، عمل المخ. هذه أجهزة مسيرّة تسييراً قهريا حديدياً وتعمل ضمن قوانين إلهية محددة لا دخل لها فيها، ولا تستطيع الاستجابة الطوعية، أو الامتناع الطوعي عنها.