محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٠٧ - الخطبة الأولى
ويرى قضية الإيمان في قلبه لا غبار عليها، وحين يأتيه هذا السؤال يرى فيه أنه قد أفسد إيمانه ونقضه، فيهلع، ويتمنّى أن لو سقط من جبل ولم يحدث له مثل هذا الخاطر، هذا الخوف منه يعني محض الإيمان.
تأتي المعالجة لذلك بذكر الله تبارك وتعالى، والوسوسة تختلف عن الشك الفكري العلمي. هناك سؤال فكري عقلي يُجاب عليه بالدليل والبرهان، وهناك وسوسة في النفس؛ نفس مبتلاة، نفس مريضة، والنفس المريضة لا يُعالجها الجواب العقلي، لا يعالج مرضها الدليل والبرهان، يُعالج مرضها أمرٌ آخر هو الإيحاء بالفكر الصحيح، وأكبر من ذلك أن تلجأ إلى الله تبارك وتعالى.
الطريق إلى الإقناع الفكري مفتوح من خلال طلب الدليل والبرهان، فعلى العبد أن يجيب على أسئلته الفكرية بالسعي العلمي، لكنه قد يُبتلى في نفسه بوسوسة فلا يجد من دليل العقل معينا له على دفع وسوسته، إنه المرض النفسي الذي يحتاج إلى نوع من المعالجة النفسية.
لو قرأتم الأحاديث وجدتم هذا: وهو أن العلاج الذي تطرحه هو علاج أقرب في نوعه إلى العلاج النفسي. فالأحاديث ليست بصدد معالجة إشكال فكري، الإشكال الفكري يُجاب عليه بالدليل العقلي، وإشكال من خلق الله تبارك وتعالى، إشكال مدفوع بكل وضوح وجلاء، لأن الله عزّ وجل ما دام هو حقّ الوجود، ومحض الوجود، والوجود الكامل، وحقيقة الوجود الكامل لا تتثنّى، وليس بعد الوجود إلا العدم، وليس ما يقابل الوجود إلا العدم، ولا يمكن أن ينبع الوجود من العدم، فلا يمكن أن يكون لله عزّ وجل وهو الوجود الكامل الحقّ خالق العدم. العدم لا يمكن أن يخلق الوجود، الوجود يغلب العدم، وليس العدم وهو غير فاعل يمكن أن يغلب الوجود، ويمكن أن يعطي الوجود،