محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٩٢ - الخطبة الأولى
(إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) ١٧.
وفي الحديث:" بُعثت داعياً ومبلّغاً وليس إليّ من الهدى شيء، وخُلق إبليس مزيّناً وليس إليه من الضّلالة شيء" ١٨.
سبق أنّ الهداية هداياتان: هداية بالإراءة، وهداية بالإيصال، هداية الإراءة تصح في حق رسول الله صلى الله عليه وآله، تصح في حق الممكنات، بإفاضة من الله تبارك وتعالى، فرسول الله صلى الله عليه وآله يُري الناس الحق من خلال البيان، من خلال القدوة الحسنة، من خلال المنهج اللاحب، ولكنه لا يصنع الهداية في القلوب، ولا يملك العُلقة التكوينية بين ما يهدي وصُنع الهداية. إنتاج الهداية بكلمة الحق، إنتاج الهداية من التذكير، من الوعظ، من العلم كلّ ذلك راجع إلى العُلقة العلّية بين هذه الأسباب وبين مسبَّباتها، وهذه العلقة ليست إلا بيد الله تبارك وتعالى. فصنع الهداية للأرواح والعقول والقلوب إنما هو بيد الله تبارك وتعالى، ما يملكه الرسول صلى الله عليه وآله هو أن يطرح على الناس أسباب الهداية، هو أن يريهم الطريق، وليس أن يصل بهم تكوينيا إلى غاية الطريق.
هذا في جانب الهداية، وكذلك في جانب الضلالة، فإنّ إبليس لا يملك علينا قلوبنا، ولا يسيطر منا على نفوسنا، إنما يملك التزيين، إنما يملك التقبيح، يُزيّن القبيح، ويُقبّح الجميل، أما تأثير هذا التزيين والتقبيح فهو بيد الله تبارك وتعالى مع توسّط الإرادة الإنسانية بين تزيين إبليس والفعل الذي يشير إليه التي جعلها الله تبارك وتعالى سببا من الأسباب التي تستوجب في حكمته وتقديره حدوث الأفعال في المساحة الاختيارية من حياة الإنسان.
(اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) ١٩ ماذا يعني قولنا: اهدانا الصراط المستقيم؟
مما يعني هذا القول وهذا الدعاء: هو طلب الإراءة التامّة والشاملة. نحن طريق الصراط