محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٠٤ - الخطبة الأولى
واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم اجعلنا ممن يُقدِّم الآخرة على الدنيا، ولا يتردَّد في ذلك أبداً، وارزقنا خيرهما، وجنّبنا شرَّهما يا كريم يا رحيم.
أما بعد أيها الأخوة والأخوات في الإيمان فهذا حديث في الوسوسة:
إنه ولئن كان في النفس أصول للخير وفيرة، ورصيد كبير من فطرة الهدى إلا أن لها حديثا في داخلها بالباطل، وإغراءً بالشر، وقد يُمعن هذا الحديث للإخلال بالرؤية القلبية، وإرباك النظر، وإثارة الشك في الحق، وإحداث الريبة والتحريك للشر، وإتيال القبيح، وتجاوز حدّ الاعتدال إلى الإفراط.
وكما تُحدِّث النفس نفسها بهذا أو ذاك يكون للشيطان معها حديث مثل ذلك حتى يبلغ منها ما يريد من سوء، أو يندحر عنها تحت المقاومة الإيمانية، وبإيوائها إلى ركن شديد من الاعتصام بالله القويّ العظيم، وكفى بالله عاصماً ووليّاً مرشداً.
ومن مناشئ الوسوسة أمراض تلحق بالنفس، قد يكون المدخل إليها مشاكلَ تلمّ بالشخص، وضغوطات لا يحتملها، وحرماناً لا يقدِرُه، ومشاقَّ لا يصبرُ عليها، وجهلًا يتّصف به.
وتتعلّق الوسوسة بالعقيدة، وبالعبادة، وبالصحة، وبالعلاقات الاجتماعية وغيرها، وتُخرج صاحبها عن الحدِّ العقلائي، وتتجاوز بتصوّسراته وتصديقاته مقتضيات العقل، وتضطرب بسببها موازين النفس، ويتعدّى السلوك حدّ الاعتدال، ويشقى الشخص، وتسوء حياته، وتنغلق في دائرة الأوهام السخيفة، والأخيلة المحطِّمة، وتُشلّ منه روح الإنتاج الخيِّر والفاعلية المثمرة، وتُهدر طاقات الإبداع عنده، وتتعطّل أو تفقد كثيرا من