محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٥١ - الخطبة الأولى
" لو فعل الله ذلك لما آمن أحد ولكنه جعل في المؤمنين أغنياء وفي الكافرين فقراء، وجعل في الكافرين أغنياء وفي المؤمنين فقراء ثم امتحنهم بالأمر والنهي والصبر والرضا".
قضية أخرى تفتحها الأحاديث في هذا المجال:" لن تكونوا مؤمنين حتى تعدّوا البلاء نعمة، والرخاء مصيبة، وذلك أن الصبر عند البلاء أعظم من الغفلة عند الرخاء".
لن تكونوا مؤمنين بحق، وبصورة عالية حتى لا تختار أنفسكم غير ما اختار الله لكم، وحتى لا تجدوا في فعل من أفعال الله تهمة أو تضايقاً، حتى لتصل النفس المؤمنة بحق إلى أن تعدّ نعمة البلاء أكبر من نعمة الرخاء، بأن تظن دائما أن في فعل الله لهذا العبد المؤمن مصلحة، والوجه في أن نعمة البلاء أعظم من نعمة الرخاء يقول الحديث عنه- أي عن هذا الوجه-" أن الصبر عند البلاء أعظم من الغفلةعند الرخاء" الرخاء نعمة دنيوية، وهو يستتبع عند الكثير الغفلة، والغفلة سبب خسران أخروي مبين، الغفلة طريق المعصية، وما استقام امرء على طريق الطاعة إلا وهو ذاكر، وحال ما نغفل نسقط في الخطيئة، وإذا كان الرخاء سبب غفلة فإنه لا يمكن أن يعدل ببريقه الدنيوي، وبلذته الدنيوية ما يستتبعه الصبر على البلاء من ربح عظيم، والصبر على البلاء يعطي نتائج في الدنيا قبل نتائج الآخرة، الصبر على البلاء يبني شخصية قوية، ويصعِّد من قدرة النفس على الصعود والشموخ، الصبر عند البلاء يُطهّر النفس من نقاط ضعف كثيرة، ويبنيها ويأخذ بها على طريق الكمال.
ومن أين يأتي مستوى الآخرة؟ إنما تأتي مستويات الآخرة طبقا لما عليه مستويات النفوس في الدنيا. فالنفوس الكبار في الدنيا هي النفوس الكبار في منازلها في الآخرة، والنفوس الصغيرة، النفوس الحقيرة لا يمكن أن تتبوأ منازل عالية في الجنة، وكلما سفلت النفس كلما اقترب بها تسافلها من النار.
وفي سياق ما مرّ من فوائد البلاء تقول هذه الكلمة عن الصادق عليه السلام:" البلاء زين للمؤمن وكرامة لمن عقل ذلك بأن في مباشرته والصبر عليه والثبات عنده تصحيح نسبة الإيمان" أنا مؤمن يُنسب لي الإيمان هذه النسبة كم تملك من الصدق؟ قد تكون نسبة خاوية ليس معها صدق في الواقع، وقد تكون هذه النسبة متوفرة على شيء من الصدق، وظيفة البلاء عندما يُتعامل معه بصبر أن يُصحح نسبة الإيمان فيصدق عنوان المؤمن حقّاً على صاحبه.
نسمع هذا الحديث عن الصادق عليه السلام أيضاً:" ما أثنى الله تعالى على عبد من عباده من لدن آدم إلى محمد صلى الله عليه وآله إلا بعد ابتلائه ووفاء حق العبودية فيه" ٤ فمن حق العبودية الصبر على البلاء بل التسليم والرضا.