محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٩٣ - الخطبة الأولى
هذه هي تلك البداية التي توقف الإنسان أمام ضعفه ووهنه ومسكنته، وأنه مُدَبَّرٌ لله تبارك وتعالى، وهي تكفي جداً جداً لمن يحمل ذرة من العقل أن يطأطأ برأسه، أن تطأطأ كل حياته الإرادية من أولها إلى آخرها إلى إرادة الله سبحانه وتعالى.
هذا الإنسان يعلم وجداناً- كما سبق في حلقةٍ متقدمة- أن كل الذين يشتركون معه، وأن كل شيء يشترك معه في فقد الوجود من الداخل لا يستطيعون أن يعطوه من أنفسهم وجوده، ولا يستطيعون أن يعطوه حياته.
ماءٌ خُطِّط، ماءٌ شُحن بالاستعدادات الفكرية والشعورية، وبالقدرة على الخلق والإبداع، بقدرة الله سبحانه وتعالى، من صمّمك؟ من رسم خريطة وجودك؟ من قدّرك هذا التقدير؟ من لاءم بين كل أعضائك؟ أجزائك؟ خلاياك؟ ذراتك؟ من صمم ذرتك الأولى؟ من أعطى كل تلك الذرات قابلية الحياة، وقابلية النمو، وقابلية الإبداع؟
إن الآيات الكريمة لتلفتُ نظرنا إلى بداية الطين، بداية التراب الذي ندوس عليه ونمر عليه غير مكترثين، ولقد كنا منه، وإليه سنعود.
ثم تلفت نظرنا إلى مرحلة أخرى هي أقرب إلينا في وجودنا الحالي، وهي مرحلة النطفة، وهي مرحلة يشهدها الأب من ابنه، ولا يستطيع الإنسان إنكارها حين يرى نفسه وهو الآن على هذه القدرات، وعلى هذه الفعاليات، وعلى ما هو عليه من إبداع، واختراع. فلير أحدُنا الفتنة ماذا كان قبل سنوات يسيرة، أنت قبل عشرين سنة؛ قبل ستة عشرة سنة، قبل أقل من ذلك أو أكثر لم تكن إلا الطين، لم تكن إلا الهباءات المنتشرة، والذرات المتناثرة في هذا الكون العريض، ثم لم تكن إلا النطفة التي لو لم تصل إلى مقرّها في الرحم لكانت في خرقة من خرق تُرمى في المزابل.
(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ) ٤ النطفة لا تُرى بالعين المجردة، تعجّ بهندسة الخلق والإبداع، والتكوين العجيب، فيها العبقرية، فيها المهندس الضخم، فيها الفيلسوف