محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٦٠ - الخطبة الأولى
وجلّ أكرم من أن يُثنّي عليه العقوبة في الآخرة، ومن عفا عنه في الدنيا فالله تبارك وتعالى أحلم من أن يعود في عفوه" ٣.
المؤمن الحقّ إذا زلّت به قدم، وحدثت منه الخطيئة وليس الاستقامة على الذنب وليس المعاندة والمكابرة حتى آخر العمر فإما أن يلقى جزاءه في الدنيا ليُعافى في الآخرة، فيُصاب بما كسبت يداه في هذه الحياة في مالٍ أو نفسٍ أو غير ذلك، وإما أن يعفو الله تبارك وتعالى، وعلى التقديرين معاً فلا عقوبة في الآخرة كما هو الحديث على مثل هذه الهفوات.
فإن كانت الصورة هي الأولى وهي أن عُوقب العبد في الحياة الدنيا فإن الله- كما في هذا الحديث- أكرم من أن يُثنّي عقوبته، وإن تكن الصورة الثانية وهي العفو في الدنيا فإن الله عزّ وجل أكبر وأحلم من أن يعود في عفوه فيعاقب بعد أن عفا.
" عن يونس بن يعقوب قال سمعت جعفر بن محمد عليه السلام يقول: ملعون ملعون كل بدن لا يُصاب في كل أربعين يوماً ٤"
قلت ملعون؟- بتعجّب- قال: ملعون ٥، فلما رأى عظم ذلك عليَّ قال لي يا يونس: إن من البلية الخدشة ٦ واللطمة والعثرة والنكبة والقفزة وانقطاع الشسع وأشباه ذلك" ٧.
هذه العوارض غير المنظورة للعبد والتي يتجاوزها بسهولة فيها حطّ ذنب، وفيها رفع درجة، وفيها تذكير وتنبيه، والمرحوم من التفت إليها. تُلفته بأنه لا يملك من أمره شيئاً، وأن التقدير بيد ربّه، وأن لو أراد الله عزّ وجل به الكثير لفعل.
هناك ربط في عدد من الأحاديث- وكما تعرفون- بين حب الله للعبد وبين ابتلائه.
أقرأ من هذه الأحاديث هاتين الروايتين:
" عن الحسين بن علوان، عن أبي عبدالله عليه السلام أنه قال وعنده سدير: إن الله إذا أحبّ عبداً غتّه بالبلاء غتّا، وإنا وإياكم يا سدير لنصبح به ونمسي".