محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٤٥ - الخطبة الأولى
قد يقوى البدن، ويستطيع أن يحمل الأثقال الضخمة، وأن يصرع الرجال الشداد لكن قوّة البدن لا تقيسها الأحاديث الشريفة إلى قوّة النفس؛ حيث إن النفس هي الأهم والأشرف والأسمى، فقوّتها قوة أكبر وأهم كذلك.
أما تحت العنوان جبهة المقاومة فنقرأ الأحاديث التالية:
" كلّما قويت الحكمة ضعفت الشّهوة" ١٣.
تريد أن تستعين على الشهوة، على النزق، على خفّة النفس؛ عليك أن تطلب الحكمة، عليك أن تعمّق في روحك مضامين الحِكَم، والتعاليم الكبيرة التي جاء بها الوحي على لسان الكتاب الكريم أو النبي العظيم صلى الله عليه وآله أو أهل بيته وكذلك أقوال الرسل الهادين جميعا صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهناك حِكَمٌ أخرى قد تجري ولو على لسان كافر.
" من كرمت عليه نفسه هانت عليه شهوته" ١٤.
إذا كبرت النفس شرفاً وقيمة عند صاحبها، واتّجهت اتجاهاً سامياً صارت مخالفة الشهوة أمرا هيّنا، بل ذات الشهوة تتحول إلى شيء خفيف الوزن في النفس أمام طريق السموّ، وأمام معالي الأمور، النفس التي تسمو إنما تشتهي في الأكثر معالي الأمور، ومعالي الأمور قد تشغلها كثيراً عن الشهوات.
" أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السّلام: اذكر أنّك ساكن القبر فيمنعك ذلك عن كثير من الشّهوات" ١٥.
انشداد النفس إلى اليوم الآخر، إلى يوم الاحتضار، وإلى يوم القبر، وإلى حياة البرزخ، وإلى يوم النشور، وإلى أهوال يوم القيامة يؤدّبها، ويضعها على الطريق الصحيح، ولا يراد من ذلك أن يموت دور النفس في هذه الحياة وإنما أن يترشّد، وإنما أن تحصل النفس على التوازن الذي يبنيها ويسعدها.