محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٢٦ - الخطبة الأولى
يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) والنار التي تفتن المؤمن، وتُجلّي واقع الإنسان، وتخرج حقيقته إلى العيان هي نار الابتلاء، هي سنّة الابتلاء، سنّة الفتن، فحين تطغى الأحداث وتعظم فهل يصمد هذا الإنسان المؤمن أمامها لإيمانه؟ إذا صمد تجلّى أنه مؤمن، وإذا انهار وانحرف تجلّى أنه غير ذلك، وكلما صمد في موقف كلما ازداد قوة، وارتفع شأنا. أن نتمنى الراحة والرخاء والهدءة الدائمة، واطمئنان الأوضاع، وكف الألسن عنا فذاك أمنية لا تُنال. ما الموقف؟ الموقف أن تصنع نفسك، أن أصنع نفسي ليكون الصمود، وتكون المقاومة، وتكون القدرة على التجاوز. (وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَ لِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَمْحَقَ الْكافِرِينَ) فالامتحان يرفع من مستوى المؤمن، ويتقدم بإيمانه، وهو محطة فشل، وموقع سقوط ومحق للكافر. (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ) وخط الجهاد خط الصبر، وطريق ذات الشوكة. جهاد الكلمة، وجهاد السيف، وكل ألوان الجهاد هي ساحات صراع، وساحات تحدي، وساحات مواجهات صعبة فهي تتطلب الصبر، ولذلك فإن الآية الكريمة تربط بين الجهاد وبين الصبر فتقول: (وَ لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَ يَعْلَمَ الصَّابِرِينَ). ولم يطل جهاد غير صابر، ولابد أن يتوقف الجهاد ويتعثّر عندما يُفقد الصبر، من فقد الصبر انتهى جهاده، وانتهى نموّه الروحي، ونموّه الإرادي الكريم. (وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ) على أن الله عزّ وجلّ لا يحتاج إلى اختبار أحد حتى يعلم حاله، إنما الغرض أن يصير الباطن واقعاً عياناً أمام الناس، فيكون الجزاء على ما هو فعلي، ويكون العقاب على ما هو فعلي. إذا كنت أحمل كل استعدادات الشر، وبقيت هذه الاستعدادات عند مستواها لم تتحول واقعاً مشهودا، فإن الله عزّ وجل لا يعاقبني على حالة الاستعداد للشر، إنما العقوبة على ما هو شرّ فعلًا، على الشرّ المتحوّل واقعاً مشهوداً، يعلم به الخالق وإن لم يعلم به المخلوق. والجزاء بالخير إنما يُستحقّ إذا تحولت استعدادات الخير في داخلي