محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٨٠ - الخطبة الأولى
وتناسق وجوده مع غايته، وتناسب صنعه مع وظيفته، وعلاقات ذرّاته وخلاياه وأعضائه وأجهزته وجميع مؤلِّفاته، وتكامل دوره مع أدوار المخلوقات الأخرى، وما يعجُّ به كل جزء من أجزائه، وكل جنبة من جنباته من أسرار علمية دقيقة، ومخزون هائل من روائع النظام والصنع.
كم من نوع دابّة، كم من صنف دابة، كم من أفراد دابّة تدبّ على وجه الأرض وفي الثرى تغنى بدرجة من الإدراك والشعور، وفطرة التدبير، والقدرة على السعي المخطَّط للرزق، والقيام بالدور الذي أُعدِّت له، والتوجّه إلى الغاية التي كانت من أجلها، وقد جُهّزت بكل ما له دخل في أداء وظيفتها، والانتهاء بها إلى غايتها، وإتقان ما يتطلّب أمر النظم منها. وأُعطيت من جهاز الدفاع للأعداء عن نفسها، والحماية من الأخطار ما يتناسب معها، ويحافظ عليها إلى ساعة أجلها، على حدّ ما هو شأن المخلوق العظيم وهو الإنسان ... كم من هذا كلّه، ومن أسرا الخلق الأخرى مما لا يُحصى، ويُذهل العارفين علمُه؟!
فآيات الخلق للإنسان، وما يدبّ على وجه الأرض وفي تربتها مما ليس له عدّ تُغذّي العقول بالمعرفة، وتوفّر للقلب اليقين، وهي ميسّرة لنظر العقول، وفقه القلوب على تفاوت أقدارها، وهي كافية لتأكيد قضية الإيمان وترسيخها، والشرط الوحيد لذلك أن لا يفسد الإنسان قلبَه، ويعكِّر صفوه، وينتهي به إلى طمس فطرته بسوء اختياره حتى يفقد القلب قابلية الاستيقان بأوضح الحقائق وألمعها وأقواها مستوى في الظهور.
(لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) حافظوا على قابلية الإيقان، أبقوا من ذواتهم استعداد كسب اليقين، لم يسدّوا كل منافذ القلوب والضمائر والوجدان حتّى يحجبهم ذلك عن نور الإيمان، وعن حلاوة اطمئنان اليقين.