محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٨٩ - الخطبة الأولى
لأن الطمع لا يقوم معه شعور مطلقا بالغنى، ويبقى الجوع للدنيا مستعرا دائماً حتّى ليكثر ما في اليد، أما هو في النفس فيبقى القليل. وحينئذ يعيش الغنيُّ مالًا الفقير نفساً بطمعه محنة الفقراء، وشقاء الفقراء.
ثم إن هذا الطمع ليدفع للحرام، والسلب والنّهب، وارتكاب المهانات من أجل إشباع النفس، ثمّ إنها لا تشبع.
إنه كما تقول الكلمة عن رسول الله صلى الله عليه وآله لفقر حاضر، وحضوره حضور دائم في النفس، فإذا كان فقر اليد قد يغيب عن النفس سلطانه، وأثره السيء فإنّ فقر النفس وهو قائم فيها دائماً يكون مشهوداً لها، فصاحب الملايين، وهو يعيش الفقر في نفسه، لا تدفع عنه ملايينه شقاءه، وصاحب كوخٍ غنيّ النفس قد قطع طمعه في الدنيا، واكتفى بما يسدُّ جوعته فيها تجده العزيز الكريم الذي لا تستطيع الدنيا أن تشتريه بأيّ ثمن.
" وصلّ صلاتك وأنت مودّع" الواو للحال، الجملة وأنت مودّع جملة حالية، صلّ صلاتك وأنت تعيش هذا الشعور؛ شعور أنها الصلاة الأخيرة التي تواجه بعدها ربّك، وتريد أن تكون آخر زادك في الدنيا.
وإن صلاة مثل هذه لصلاة تغنى بحضور القلب، وبالتوجّه الكامل لله، وبإخلاص النية له، وبعدم الاشتغال بأحاسيس الدنيا ومشاعرها. إنها صلاة ترفع الدرجة بيقين.
" وإيّاك وما يُعتذر منه" وأنت في تعاملٍ أسري، أو في تعامل اجتماعي محدود الدائرة، أو في تعامل اجتماعي واسع الدائرة، في حقل السياسة، في حقل الاجتماع، في أي حقل من الحقول إياك أن تقدم على فعل أو كلمة تقدِّر أنك ستضطر للاعتذار منها.