محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٣ - الخطبة الأولى
فرارنا من معصيتك أشد من فرارنا من حر السيف وسكرات الموت، وخشيتنا منك، وتعففنا قربة إليك، وطاعتنا طمعاً في رضوانك يا الله يا كريم يا رحيم.
أما بعد فهذا حديث في اليأس ودليلنا فيه نصوص من كتاب الله العزيز الحكيم، وأقوال المعصومين عليهم السلام:
من آيات الكتاب الحكيم في هذا المورد: (وَ لَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ (٩) وَ لَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ) ١.
ونقرأ: (وَ إِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَ نَأى بِجانِبِهِ وَ إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً) ٢.
ونقرأ أيضاً: (وَ إِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَ إِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ) ٣.
الإنسان ضعيف خلقة، والإنسان مهزوز في داخله، وهو ابن الظروف حيث إن الظروف تغلبه وتستولي عليه، ليس الإنسان بالشيء الكبير الذي يستطيع دائماً أن يصمد أمام الظروف، وأن تثبت ذاته أمام الإعصارات، ما يثبِّت الإنسان، ما يقوِّيه، ما يعطيه الشخصية القوية، ما يمدّه بأسباب الصمود، ما يصنعه إنساناً مقاوماً هو الإيمان" إِلَّا الَّذِين صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ" ويمكن أن نقف هنا، ويتم الاستثناء، وينقطع الكلام- والله العالم- ثم يأتي قوله تبارك وتعالى (أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ أَجْرٌ كَبِيرٌ) الاستثناء يخرج هذه الفئة من الضعف، والوهن، واهتزاز الشخصية، وضياع إنسانية هذا الإنسان ودينه وشرفه أمام لحظة ضعف، فأنسان هذه الفئة قوي وإن طغت الظروف وعظمت الملمّات.