محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦١٩ - الخطبة الأولى
وهذا الكون العريض الذي تسبح في فلكه موجودات لا عدّ لها ولا إحصاء كل شيء من ذلك قد حُدِّد مساره، كما حُدِّدت غايته، وكل شيء قد هداه الله عز وجل من خلال المسار المحدد إلى الغاية المحددة. هذه هي هداية تكوينية قسرية قهرية.
وهناك الهداية التكوينية الفطرية التي قد ينساق إليها المخلوق على شعور، لكنّه لا يكاد يملك أن يمتنع، كما في قوانين أمة النمل، وأمة النحل، وأمة الطير، فهي مهدية إلى غاياتها بفطر تسوقها سوقا شبه القهري إلى تلك الغايات، وليس النظام والهدايات الذي زُوِّد به النحل والنمل في إقامة نظام معيشته، وعلاقات تناسله، وفيما يبنيه من قرى كما في النمل، أو خلايا كما في النحل على حدّ النظام الذي يحكم الصخرة، أويحكم الشجرة، هناك شعور، هناك درجة من الإدراك في حياة النمل، في حياة النحل، في حياة الطير لا توجد في الصخر، في الحديد.
وهناك الهدايات التكوينية الإرادية كما في أصول الفكر التي غرسها الله سبحانه وتعالى في وجود الإنسان، وكما في أصول السلوك السوي، والسلوك الذي تقوم عليه استمرارية الحياة مما فطره الله عز وجل في كيان هذا الإنسان، والإنسان الذي زُوِّد بهذه الأصول يجد من نفسه الإرادة القادرة على التجاوب معها أو الامتناع عنها.
فطرة التوحيد أصل كبير متغلغل ممتد في كيان الإنسان لا تنفك إنسانية الإنسان عنه، لكن أنت تجد من نفسك أنك تستطيع أن تتجاوب مع أصل التوحيد في الذات أو أن تتمرد عليه، هذه هدايات، ولكنها هدايات ينضم إليها الدور الإرادي عند الإنسان.
ثم إن هناك الهداية التشريعية كما في شرائع الأديان المنزّلة من السماء فهي هدايات لهذا الإنسان حتى يبلغ غايته، ولا يمكن لهذه الإنسانية أن تبلغ غايتها ولو استجابت لكل الهدايات الأخرى إذا تخلّفت عن التجاوب الإرادي مع الهداية التشريعية التي تنزّلت على الأنبياء والمرسلين، وآخرها هداية القرآن الشاملة.