محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٤٣ - الخطبة الأولى
إنه خطاب توعية، وتبصرة، وإيقاظ، وتذكير، وإراءة صادقة، وتحفيز، وتحذير.
ويستفيد هذا الخطاب من كل ما هو صدق وحقّ وواقع، ويستعين بكل هو ما سائغ عقلا وشرعاً في تقريب النفس إلى هداها. ومما يتوسل به هذا الخطاب لبلوغ غايته التربوية الكريمة آيات الأنفس والآفاق، ودوافع الخير ونوازع الكمال في الفطرة، وخوف النفس ورجاؤها، وما يغنى به التاريخ ومن تجارب ونتائج، وما يثرى به واقع الحياة والإنسان من أحداث وتقلبات وتحولات، وما تفضي إليه أنواع المواقف من ضروب العواقب. وتدخل في وسائله روائع الوحي من آي وحديث، وكلمات الحكمة، والأمثال البليغة، والمشاهد الحيّة، والصور الناطقة.
والوعظ خطاب لا يبلى، وخطأ أن يقال بأن الوعظ أسلوب قد تقادم عليه الزمن، إنه حي ما بقت الحياة، ولا تستغني عنه تربية الأجيال؛ أدواته في تكثّر، وأساليبه في تجدد، وصوره في تنوّع، وكما يؤخذ به في تربية الغير يؤخذ به في تربية النفس والسموّ بها. وكفى بالوعظ الراقي شأناً قوله تبارك وتعالى (وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ آياتٍ مُبَيِّناتٍ وَ مَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) ٢، ثم ما عن الصادق عليه السلام" أصدق القول، وأبلغ الموعظة، وأحسن القصص كتاب الله" ٣ فكتاب الله على عظمته موعظة، وما من نبي ولا رسول إلا وكان له وعظ، وكان وعظه وعظا ناجحاً يتوفّر على صدق المضمون وأصالته، وعلى حسن الأداء ورقيه، وعلى سموّ الهدف والغاية، وأساليب الأنبياء والرسل، والأولياء من أرقى الأساليب التي تتوفر على فنٍّ رائع.
على أن الوعظ لا يتأطّر بإطار الكلمة إنما كل مساحة الحياة، وكل ما يعجُّ به الكون العريض، وكلما في النفس، وكل التقلبات و التحولات في حياة الأفراد والمجتمعات هي خطابات واعظة للنفوس المتيقّظة.