محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٣٨ - الخطبة الأولى
لكن تبقى النفس البشرية في تعاملها مع الأرض، ومع مشكلات الأرض تستقبل وتنفعل للصدامات بدرجة وأخرى، وفرق بين من ينفعل فيُعطي ردّ الفعل الذي يفرّغ شحنة الألم، وبين شخص آخر يضمّ جوانبه على الآلام من أجل الله.
" إن أهل الحقّ لم يزالوا منذ كانوا في شدّة أما أن ذلك إلى مدة قريبة وعافية طويلة" عن الصادق عليه السلام.
والحديث في معناه- فيما أرى- من سياق الحديث السابق حيث إن أهل الحق يتحملون من المسؤوليات ومن الآلام ومن محاولة الترفّع ما لا يتحمّله الآخرون.
ولكنها الجولة الصغيرة مع الآلام تعقبها العافية الطويلة المقيمة التي لا انقضاء لها عافية الآخرة، فتبدأ سعادة المؤمن تلك السعادة الحقيقية منذ لحظة وفاته وإن كان في هذه الحياة قد يعدّه الآخرون من السعداء، إلا أن كل سعادة في هذه الحياة صغيرة وضامرة أمام سعادة الآخرة.
ليس معنى أن سعادة المؤمن في الآخرة أنه في الدنيا دائما يقاسي الآلام ويقاسي الأمراض، ولكن الحياة الفسيحة تبدو ضيّقة أمام الآخرة الكبيرة العملاقة الممتدة، كل لذة هنا لا تساوي شيئا من لذّة هناك.
وإذا كانت الأفراح في الحياة تختلط بالآلام، وإذا كانت الطمأنينة يشوبها قلق فهناك لا قلق ولا ألم ولا شقاء على الإطلاق.
عن زين العابدين عن آبائه عليهم السلام قال:" فما تمدون أعينكم؟! ١ لقد كان من قبلكم ممن هو على ما أنتم عليه ٢ يؤخذ فتُقطع يده ورجله، ويصلب ثم تلا (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ ..) ٣".