محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٥٢ - الخطبة الأولى
" فكرامات الله في الحقيقة نهايات بداياتها البلاء" كيف تبوأ إبراهيم عليه السلام منزل الكرامة عند الله؟ واستحق الإمامة؟ بعد أن أتمّ الكلمات، وهي كلمات من دروس عملية صعبة، وامتحانات قاسية على نفوس خلق كثير دون منزلة إبراهيم عليه السلام.
فمن أجل أن يرتفع شأن إبراهيم عليه السلام، وأن يمتلك نفساً موصولة بالله عزّ وجل وقلباً كبيراً يستطيع الصمود أمام محن الدنيا كلّها، وأن يواجه إبراهيم بذلك القلب كل التحديات كانت الدروس الصعبة، ولما صبر ونجح في الدرس تبوأ المنزلة الكبيرة عند الله سبحانه وتعالى.
البلاء مذكِّر، قد يمثّل البلاء انعطافة خيّرة كبيرة في حياة المرء أو في حياة المجتمع والأمة. يكون المرء أو الأمة سائبين لاهيين منحدرين عن الصراط فيأتي البلاء فتُفيق نفوس، وتستيقظ قلوب، وتتنبه عقول لتكون بعد الانحرافة الخطيرة استقامةٌ ثابتة على الصراط.
فيأتي البلاء هنا رحمة، ولكن هناك من لا ينفع معه أي درس إلهي يتعامل به الله عز وجل مع الحياة الإرادية للناس. وحينئذ يكون البلاء حجّة وعقوبة ومحنة.
(وَ لَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَ نَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ) ٥. كانت المحنة وكان البلاء للرجوع إلى الطريق. تأديب من الله عز وجل يستبطن الرحمة ليحقق العودة من آل فرعون إلى هدى الله وإلى طاعة الله سبحانه وتعالى، ولكن البلاءات في هذه الدنيا لا تحمل طاقة قهرية تسلب الإنسان إرادته.
(وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذابِ الْأَدْنى دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) ٦. هذا الدرس، هذا البلاء من أجل العودة إلى الله سبحانه وتعالى.
حديث عن الصادق عليه السلام:" ما من مؤمن إلا وهو يُذكّر في كل أربعين يوماً ببلاء إما في ماله ٧ أو في ولده أو في نفسه فيُؤجر عليه أو همٌّ لا يدري من أين هو" حينما تُذكر قضية البلاء لا ينصرف ذهننا دائماً إلى المحن الضخمة التي تجعل الإنسان في قفص ضيّق، وتسلبه القدرة على التعامل مع الحياة بحيوية ونشاط.
من البلاء ما هو ضخم، ومن البلاء ما هو درجات مخففة، وجرعات الله عزّ وجل المؤدبة لعباده تأتي دائماً بحكمة ومقدار.
" عن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام وقد خرج للاستسقاء: إن الله يبتلي عباده عند الأعمال السيئة بنقص الثمرات وحبس البركات وإغلاق خزائن الخيرات ليتوب تائب ويقلع مقلع ويتذكر متذكر ويزدجر مزدجر" هذه دروس ضاغطة للعودة بالنّاس إلى الطريق، وحتّى لا تستولي عليهم الغفلة بصورة كاملة فيخسروا النفس والمصير.