محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٢٠ - الخطبة الأولى
الآيات الكريمة في هذا المجال وعلى مستوى هذه الهدايات المختلفة تقول لنا:
(رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى)، (وَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ) ٢.
كم من ذرّة يحمل هذا الموجود، كم من خلّية، ما هي خصائص هذه الخلية، تلك الخلية؟ ما هي وظائف هذا الجهاز، ذلك الجهاز؟ كل ذلك بمقدار. والصنع الدقيق المحكم لما خلق الله لا يقوم على الجهل، على الغفلة، على الجزاف. هو قائم على العلم، على الحكمة، على التصميم الدقيق، على الخبرة التي لا تحدها حدود.
(وَ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) ٣، (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ) ٤.
والحديث" عن محمّد بن مسلم قال سألت أبا عبدالله عليه السّلام عن قول الله عزّ وجلّ (أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ) قال: ليس شيء من خلق الله إلّا وهو يعرف من شكله الذّكر من الأُنثى. هذا واحد من تطبيقات الهداية الجزئية، مصداق من مصاديق هدايات الله، الإمام عليه السلام من باب التقريب والتوضيح بالمثال يذكر لمحمد بن مسلم مصداقا من مصاديق هدايات الله للأشياء، يقول انظر إلى أصغر مخلوق من المخلوقات الحيّة التي تقوم على التناسل فإن ذكر هذا النوع أو ذلك النوع لا يخطئ تشخيص أنثاه، لا يخلط بين ما هو ذكر من ذلك النوع وما هو أنثى، والأنثى هي كذلك لا يختلط عليها تشخيص ما هو الذكر من نوعها وما هو الأنثى. فذكر النمل لا يطلب ذكره وإنما يطلب أنثاه ويعرفها، وأنثى النمل أيضا لا تطلب أنثاه وإنما تطلب ذكره وتعرفه، هذا تطبيق لكون الله عز وجل قد أعطى كل شيء خلقه ثم هدى. تجدون ثم هدى، الآية الكريمة تفصل بثمّ، وثمّ للتباعد بين المعطوف والمعطوف عليه، والتباعد هنا ليس زمانيّاً وإنما تباعد رتبة، وأن رتبة الهدى فوق رتبة الخلق. هي نوع آخر من الخلق، وهو خلق كبير. والله العالم.
قلتُ: ما يعني ثُمّ هدى؟ قال: هداه للنّكاح والسّفاح من شكله" ٥.