محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣١٩ - الخطبة الأولى
فليس من فعلٍ أملكُ أسبابه فيما يتراءى لي هو تحت يدي، الفعل لا يكون مقدورا للعبد وإن ملك من الأسباب ما يملك؛ فلا مالكية له إلا بتمليك من الله، أقول: لا فاعلية للعبد ولو عندئذ إلا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى.
فليس حيث تكتمل الأسباب يخرج الفعل عن قدرة الله، فحتى بعد أن تكتمل الأسباب يبقى الفعل محكوما بإرادة الخالق العظيم تبارك وتعالى.
تقول الأحاديث: وهي هنا ثلاثة:
عن علي عليه السلام:" لا ينفع اجتهاد بغير توفيق" ().
الاجتهاد سبب كبير من أسباب النجاح، ولكنه ليس العلة التامة له، فإذا اعتمدت على اجتهادك ولا شيء آخر غير اجتهادك، ورأيت فيه السبب الكافي للنجاح ولو قطع الله تبارك وتعالى عنك التوفيق فهذا غروره، والصحيح أن اجتهادك وحده لا يوصلك إلى المطلوب. مطلوب لك أن تجتهد، بل عليك أن تجتهد، فإن الوصول إلى النتائج قد جُعلت له أسباب طبيعية، ولكن لا يدخل في ذهنك أبداً أن اجتهادك هو الذي جمع لك هذا المال، أو حصّل لك هذا العلم، أو بوّأك هذا المركز، فلست تستطيع بجهدك وجهادك وحده وإن اجتمع الناس كلهم في إرادة واحدة معك لمطلوبك أن تصل إلى المطلوب من دون إرادة الله وتوفيقه.
الحديث الآخر يقول:" لا ينفع علم بغير توفيق" ().
والحديث الثالث يقول:" لا قائد كالتّوفيق" ().
لا قائد للخير، للنجاح كالتوفيق، فالتوفيق لا بد منه لنجاح كل المقدمات التي تتوفّر بيد العبد مكتسبة كانت أو غير مكتسبة.
هذا يدفعنا دائماً للتوكّل على الله، واللجأ إليه، والشعور المعمّق بعدم الاستقلالية في أي حركة أو سكون عن إرادته وتقديره.