محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٥٠ - الخطبة الأولى
بالغاً لطاعتك، ويسِّر لنا سبل الوصول إليك، واغرس في قلوبنا كرهاً شديداً لمعصيتك، ونجِّنا من كيد الشيطان الرجيم، ووسوسة النفس الأمّارة بالسوء، وخذ بنا بعيداً عما يُبعِّد عنك يا كريم يا رحيم.
أما بعد أيها الكرام من المؤمنين والمؤمنات فالحديث موصول بما سبق في موضوع الابتلاء:
يقول الله تبارك وتعالى في محكم كتابه العزيز: (وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ) ١. في تفاوت الناس صحة ورزقاً ومن حيثيات أخرى فتنة وبلاء، والآية الكريمة تقول أن هذه التفاوتات جاءت بمقدار موزون من قبل الحكمة الإلهية المتعالية، فهي مع ضغطها على بعض النفوس إلا أنها في هذا الضغط ليست فوق ما يُطاق، ومن جهة أخرى فإن هذه الحياة الدنيا بما فيها من خير أو شرّ إنما هي صورة مصغّرةٌ عن الآخرة في البُعدين معاً، فما نجده من ثراء ومن صحّة وتمتّع باللذات، وجاهٍ عريض، وكلّ خير في هذه الحياة إنما هو شيء زهيد، وشيء محدود لا تُقاس به قدرة الله سبحانه وتعالى، فإن عطاء الله لا ينفد وليس له حد.
تلك فتنة وهي التي تتحدث عنها الآية الكريمة لا تتحملها الأنفس فلم يأتِ في قدر الله سبحانه وتعالى أن يكون لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون، وأن يأتوا أجساماً لا تمرض، وأعماراً معمّرة، وأحوالًا مستقيمة لا تُصيبها عوائق، وأن يكون المؤمنون دائما دون ذلك. فتنةٌ من ذلك القدر لم تأتِ في تقدير الحكيم سبحانه وتعالى حفاظاً على إيمان المؤمن، وأن لا يقع الناس كلّ الناس تحت ضغط الفتنة.
(وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً) أمة كفر، أمة انسلاخ عن طريق الله سبحانه وتعالى (لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَ مَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ).
عن الصادق عليه السلام:" قال الله عز وجل: لولا أن يجد عبدي المؤمن ٢ في قلبه لعصبت رأس الكافر بعصابة حديد ٣ لا يصدع رأسه أبداً" يجعل له طاقة وقوة ومناعة بحيث لا يعرضه حتى الصداع، وحيث يكون الكافر في تمتّعٍ دائمٍ بصحة وافرة دون المؤمن، وذلك في عطاء الله قليل بالنسبة لما هو معدٌّ للمؤمن في الآخرة.
في قوله تعالى: (وَ لَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً) عنى بذلك- أي بالناس- أمة محمد أن يكونوا على دين واحد كفّاراً كلهم. هذه الأمة التي هي أشد الأمم تمسُّكاً بالإيمان، وأكثرها مقاومة على هذا الطريق وأهداها ما كانت لتُمسك نفسها أمام بريق المادة، أمام بريق الخيرات الوافرة، واللذائذ الكبرى لو تضاعفت في الأرض أضعافاً.
أيضاً وفي ضوء الآية الكريمة تقول الكلمة عن الصادق عليه السلام:" لو فعل الله ذلك لما آمن أحد" أشد الناس تعبّدا وتهجّداً وإيماناً وتقوى له حدود لنفسه وهو الممكن، وهو الإنسان الضعيف حدود، لو اشتدّ البلاء من أي نوع اشتداداً كبيراً سقط هذا المؤمن، قل هناك درجات من البلاء تتجاوز قدرة المؤمن الفذ في إيمانه.