محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٠٠ - الخطبة الأولى
يرتكبه الولد في حقّ والديه (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ). و الأف أقل من النهر (وَ لا تَنْهَرْهُما) فكيف يأتي الثاني بعد الأول؟ وقد كان النهي عن الأوّل كافياً جدّاً عن النهي عن الثاني؟ إذا نهيت عن القليل فقد نهيت ضمناً عن الكثير بلغة أبلغ، فكيف يأتي في قوله تعالى (وَ لا تَنْهَرْهُما) بعد قوله عزّ وجل (فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ)؟
تأتي الرواية عن إمامنا الصادق سلام الله عليه لتجيب على ذلك:" في قوله تعالى: (إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ ...) إن أضجراك فلا تقل لهما أُفٍّ، ولا تنهرهما إن ضرباك" ٦ ردّ الفعل المناسبة لحالة الضجر التي يُسبِّبها الوالدان هي التضجّر بقول أُفٍّ، أما حالة أن ينهمر أحد الوالدين على الولد بالضرب المؤذي فهي حالة أن يقول كُفّا شدة صوت، وهذا نهر، فموضوع النهر ليس موضوع الأفِّ، لكلٍّ منهما موضوع، والفعلان قبيحان أن يرتكبهما الولد في حق الوالدين. اهرب من الضرب، ولكن لا تنهر.
(وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً) مع ما تُسبب طبيعة موقفهما من الضجر، ومع ما قد يأتي منهما من ضرب قل لهما قولًا كريماً. أرأيت إلى أن أين تصل الطاعة إلى والدين أنت تكبرهما علماً بكثير، وليس لهما جاه في الناس ولك الجاه العريض، وأنت صاحب السمعة والنفوذ، وقد تكون صاحب السلطة؟!
" أدنى العقوق: (أُفٍّ) ولو علم الله شيئاً أهون منه لنهى عنه" ٧ هذا عن الصادق عليه السلام.
وعن الصادق عليه السلام:" في قوله تعالى: (وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) لا تملأ عينيك من النّظر إليهما إلّا برحمة ورقّة ٨، ولا ترفع صوتك فوق أوصواتهما، ولا يدك فوق أيديهما، ولا تقدّم قدامهما" ٩.