محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٤٢ - الخطبة الأولى
فهو حديث تذكيريٌّ، وحديث يحاول الإثارة لمكنون النفس، ومكنون الضمير، وما في داخل فطرة الإنسان من حجج لله عز وجل على خلقه.
قبل كل شيء مسألة الدين من لم تكن في نفسه قطعية فلا أقل من أن تكون على مستوى الاحتمال، قضية الآخرة من لم يرها بقلبه رأيَ عين فلا أقلّ من أنّ نفسه تُحدِّثه دائماً بها، وتثير أمامه السؤال بشأنها، وأنه يحتمل بدرجة وأخرى أن تكون الآخرة، وليس أمام الإنسان أيُّ طريق لنفي الآخرة وهو لم يصل مرحلتها بمغادرة هذه الحياة.
في حديث عن الإمام الصادق (عليه السلام) يتناول المسألة من ناحية كونها محتملة على الأقل، في خطاب لمن كان يحاول أن يُنكِر الآخرة على مستوى اللسان:" إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء ١ وهو على ما يقولون فقد سلموا وعطبتم ٢، وإن يكن الأمر كما تقولون ٣- وليس كما تقولون ٤- فقد استويتم وهم" ٥.
أكلتم وأكلوا، شربتم وشربوا، نكحتم ونكحوا، زادوا عليكم بصلاة وصوم وحج وزكاة وخمس، ولكن كل ذلك ذاهب مع نهاية الحياة. إذا لم تكن آخرة، فلا صاحب التعب يتذكّر تعبه، ولا صاحب اللذة تبقى معه لذته، إذاً المصير مستوٍ بين الإثنين، ولا تسجّل عقيدة الآخرة على أصحابها أي خسارة.
أمّا وأنّ الآخرة حق وصدق كما هو الواقع فالخسران مع الذين ينكرون الآخرة، لأنهم لم يستعدوا لها، ولم يصنعوا أنفسهم لتتأهّل إلى نعيمها.
وفي هذا السياق تأتي رواية أخرى عن الرضا عليه السلام:" دخل رجل من الزَّنادقة على الرّضا عليه السّلام وعنده جماعة فقال له أبو الحسن عليه السّلام: أرأيت إن كان القول قولكم- وليس هو كما تقولون- ألسنا وإيّاكم شرَعاً سواء، ولا يضرّنا ما صلّينا وصمنا وزكّينا وأقررنا؟ ٦ فسكت، فقال أبو الحسن عليه السّلام،: إن يكن القول قولنا وهو كما نقول ٧- ألستم قد هلكتم ونجونا؟ ..." ٨.