محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٤٦ - الخطبة الأولى
" من أحبّ الدّار الباقية لَها عن اللذَّات" ١٦.
وكان هذا دأب الأنبياء والمرسلين والأولياء. إنهم يكبرون كثيرا على اللذات ويتجاوزون كثيرا من اللذات بعد أن كانت قلوبهم معلّقة باليوم الآخر، وبالثواب العظيم والجزاء الضخم من الله عز وجل في اليوم الآخر.
" من وصيّة لأمير المؤمنين عليه السّلام وصّى بها شريح بن هانيء لما جعله على مقدمته إلى الشّام": ... واعلم أنّك إن لم تردع نفسك عن كثير ممّا تحبّ، مخافة مكروه، سمت بك الأهواء إلى كثير من الضّرر، فكن لنفسك مانعاً رادعاً ..." ١٧.
فمن جبهة المقاومة أن تجاهد النفس، أن تكابرها على باطلها، أن تكابرها على إسفافها وانحدارها، كلما أرادت النفس أن تسفّ في طريق الشهوات، وكلما أرادت النفس أن تسفل كلما وقفت بضراوة وقوة وجرأة في وجهها؛ هذه المجاهدة تعصمها في الكثير بإذن الله.
ضمان من الله:
" قال رسول الله صلى الله عليه آله: يقول الله عزّ وجل: وعزّتي وجلالي ... لا يؤثر عبد هواي على هواه ١٨ إلّا استحفظته ملائكتي ١٩ وكفّلت السَّماوات والأرضين (الأرض- خ) رزقه، وكنت له من وراء تجارة كلّ تاجر وأتته الدّنيا وهي راغمة" ٢٠.
الدنيا المكتوبة له والتي تأتي في صلاحه تأتيه راغمة.
وفي الحديث الآخر وهو من سياق الحديث الأول" قال الله عزّ وجلّ: وعزّتي وجلالي وعظمتي وبهائي وعلوّ ارتفاعي لا يؤثر عبد مؤمن هواي على هواه في شيءٍ من أمر الدّنيا إلَا جعلت غناه في نفسه ٢١، وهمّته في آخرته ٢٢، وضمّنت السّماوات والأرض رزقه، وكنت له من رواء تجارة كلّ تاجر" ٢٣.
فصلاح دنيا وصلاح نفس وصلاح آخرة كل ذلك يأتي في ضمان الله عزّ وجل لمن غلّب محبة الله وإرادة الله على إرادة النفس الأمّارة بالسوء.