محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤ - الخطبة الأولى
" إنّ للقلب أُذنين: روح الإيمان يسارّه بالخير، والشّيطان يسارّه بالشرّ فأيّهما ظهر على صاحبه غلبه" ١٠.
هناك حديثان في النفس؛ حديث للشيطان، وحديث للملك، وأذن تتلقّى من الشيطان، وأذن تتلقى من روح الإيمان، وقد يكون روح الإيمان ملكاً خاصّاً، أو أي معنى من القوة الروحية المعنوية الحسّاسة التي توصلنا عن طريق السمع في القلب إلى الحقائق.
روح الإيمان يسارّ بالخير، صلّ، لا تشرب الخمر، والشيطان يسارّه بالشر، اقتل ظلما، اغتب، فأيهما ظهر على صاحبه غلبه، وظهور الشيطان على الملك، وظهور الملك على الشيطان لا لرجحان في قوّة أداء الملك، ولا لرجحان في أداء قوة الشيطان بحيث يلغي هذا الطرف فاعلية الطرف الآخر أو ذاك الطرف فاعلية هذا الطرف، وإنما موقف الإرادة الإنسانية هو الذي يرجّح أحد الطرفين.
" ما من قلب إلا وله أُذنان على إحداهما ملكٌ مُرشِد ١١، وعلى الأخرى شيطانٌ مُفتن، هذا يأمره وهذا يزجره: الشّيطان يأمره بالمعاصي والملك يزجره عنها وهو قول الله عزّ وجل (... عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) ١٢" ١٣.
وهكذا تذهب الأحاديث لتقرير هذه الحقيقة؛ حقيقة أننا جئنا مصنوعين صنعاً إلهياً حكيما يطلّ بنا على الغيب، ويفتح لنا السبيل للارتباط بالحقائق الكبرى حتّى لا نقيم حياتنا في ظل حقائق جزئية منقطعة.
الحياة الأسمى، والحياة الأبقى، والحياة السعيدة هي التي تقام في ضوء الحقائق الكبرى التي لا نكتشفها إلا بسلامة القلب، سلامة سمعه وبصره، ومسؤولية الإنسان أن يحافظ على أقدس قوة في وجوده، وعلى أكبر هبة من هبات الله في وجوده ألا وهو سمع القلب وبصره.