محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٦٩ - الخطبة الأولى
(أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ) هذا سؤال مطروح على النفس البشرية؛ المؤمنة والكافرة، هذا السؤال لا يمكن لنفس تحترم نفسها أن تجيب عليه بأن الإنسان، أي شيء آخر غير الوجود الحق تبارك وتعالى قد خلق السماوات والأرض، لكن الآية الكريمة تُعقِّب فتقول: (بَلْ لا يُوقِنُونَ). السؤالان السابقان يُعرف منهما أن هناك إجابة باطنية مغروسة في النفس عن السؤالين معاً بالنفي، وأن ليس من شيء قد خُلق من لا شيء ولا علة له على الإطلاق، وأن ليس مَن خلق السماوات والأرض هي الممكنات، ومع ذلك تقول الآية عن الكافرين (بَلْ لا يُوقِنُونَ).
والحصيلة أن من النفوس لا توقن مع مالها من فطرة الإيمان. الإيمان الفطري حين تعرضه الذنوب، ويعرضه العناد، وتعرضه الأخلاقيات اللإسلامية، يبقى مهتزّاً، قلقاً، لا يستطيع أن يواجه تحدّيات الحياة، ولا موجات التشكيك والتضليل، لا يستطيع أن يصمد أمام المحن القاسية فيتوارى في الداخل ويُدفن، فلا يمكن لإنسان غير باحث عن الحقيقة متقيّدٍ بها أن يمتلك اليقين. من يطرح السؤال على هذا النوع يُجيبون بأنه حقّاً ليس من شيء من هذه الممكنات قد خُلق من غير علّة على الإطلاق، هذا يجيبون به، ولكن هذه الإجابة سرعان ما تتوارى، وسرعان ما تختفي في مقام ترتيب آثار الإيمان، وفي مقام التزام خطّ الإيمان، وفي مقام احتضان النفس لقضيته. حتى نمتلك إجابة قوية ثابتة لا تهتز أمام الإعصار لابد مع الفطرة من تربية إيمانية دقيقة.
ولماذا الإيمان من غير إيقان؟ لسوء الموقف؛ هناك رصيد فطري من الإيمان، إما أن نتعامل معه التعامل المطلوب فيتثبّت هذا الرصيد وينمو ويتركّز وينتشر نوره في أقطار النفس كلّها، ويتحولَ إلى حالة صحوة ويقظة دائمة.
والفرض الآخر أن رصيد الفطرة لا نتعامل معه التعامل المطلوب، ونتنكّر له، ونسلك مسلكاً على خلاف مقتضاه وهداياته، وحينئذ يضمر صوت الفطرة، يخفت نورها في