محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٢٨ - الخطبة الأولى
أما بعد أيها المؤمنون والمؤمنات فوقفةُ استضاءة مع قوله تبارك وتعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) ١ على أنها وقفة تتّسم بالقصر، ولا تنال من العمق ما الآية الكريمة أهله.
للهدى والحق على مستوى القول والفعل، والعقيدة والتشريع مقياس ثابت. متى يكون هذا هدى ومتى لا يكون كذلك؟
هناك وجدانان في عمق الإنسان، لا يغيّبان بالكامل، ولا يُقضى عليهما مطلقاً في فطرته، ما دام إنسان فهذان الوجدانان قائمان:
أول الوجدانين هو الوجدان الفكري، وبلا شرح لضيق الوقت، فإن كل القضايا البرهانية عند الإنسان لا بد أن تنقطع عند الوجدان ولا تستمر البرهنة على الفكرة إلى المطلق.
لو لم تكن في ضميرة النفس الإنسانية قناعات وارتكازات فكرية وجدانية لما ملك الإنسان أن يستقر به قرار عند أي فكرة معيّنة. فمهما كان العقل عند الإنسان جبّاراً فإنه إنما يعمل من منطلق تلك الركائز الوجدانية التي لا تحتاج في وجدان الإنسان إلى برهان، ذلك من مثل العلّية والمعلولية وعدم اجتماع النقيضين والضدّين. وراء الفكر عند الإنسان ارتكازات واضحة، ولا بد أن ينتهي الفكر إليها ولا يمكن أن تتجاوزها البنيات الفوقية للفكر الإنساني. وإذا تجاوزتها بنية فوقية فهي بناء منهار لا أساس له على الإطلاق.
الوجدان الآخر هو الوجدان الخلقي، والذي تنتهي إليه حقّانية كل القضايا السلوكية، وترتكن إليه الأخلاق القويمة عند الإنسان ومثاله الظاهر استحسان العدل واستقباح الظلم، فهما ليستا قضيتين فكريتين ولا برهانيتين وإنما هم قضيتان وجدانيتان من النوع الأخلاقي، والذي يشكّل الضمير الحي عند الإنسان.