محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٤ - الخطبة الأولى
ينسى الإنسان أن الله معه، وهو لا ييأس إلا أن ينسى الله، ينسى لطفه، وينسى قدرته، وينسى علمه ورحمته. وإذا نُزعت منه النعمة صار يكفر بما أنعم الله عليه، يكفر تحت ضغط الظرف الضَاغطة ولو كان المؤمنَ ما كفر برحمة الله ولطفه ونعمائه في أي ظرف من ظروفه وهو في كل ظروفه تغرقه نعم الله عزّ وجل.
(وَ لَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي) فلنلتفت إلى تعبير الآية الكريمة، إنه لا يقول أذهب الله السيئات عني إنما يقول ذهب السيئات عني، وكأن يد الرحمة الإلهية لم تكن هي التي لطفت به وأنقذته من مأساته (إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ) فرح البطر، وفرح الاستكبار، وفرح الروح الاستقلالية عن الله تبارك وتعالى، يفخر، فرحاً مربوط بالفخر، وكيف يفخر لو ذكر أن نعمته من الله، وعاش هذا الشعور بعمق، وأن ليس من نعمة وليس من فرج إلا من فضل الله تبارك وتعالى.
نعم، ويأتي بعد (فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ) هؤلاء يعيشون خطاً واحداً هو خط الإيمان بالله، وذكر الله، والذوبان أمام عظمة الله، والاستسلام والعبودية لله أيّاً كانت الظروف، أكان الظرف ظرف نعمة أو كان الظرف ظرف نقمة. شخصية لا تتقلب بتقلب الظروف، ولا يأسرها الغرور مرة واليأس أخرى، إنها شخصية حرة أمام كل الظروف، وأمام كل الأحداث ليس لها من عبودية إلا العبودية الراقية، العبودية الصنّاعة، العبودية المكمّلة، وهي العبودية لله تبارك وتعالى.
(وَ إِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ) ٤ أعرض إعراض النسيان، إعراض الاستغناء، إعراض الاستكبار، وكأن انتهت حاجة العبد من الرب، وكيف تنتهي حاجة عبد بعبودية حقيقية من رب بربوبية حقيقية صادقة؟ هذا العبد الذي وجوده فيض من الله في كل لحظة، وحياته فيض من الله في كل لحظة، وفاعليته فيض من الله في كل لحظة كيف يستغني؟ كيف يحق في العقل أن يشعر بالاستغناء؟ كيف يحق في الوجدان أن يستكبر؟