محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٩٥ - الخطبة الأولى
ليست هناك يد أخرى أبدعتك هذا الإبداع، وقدّرتك هذا التقدير، فلابد أن يكون كل ركوعك، كل سجودك، كل طاعتك، كل استجابتك، كل حبّك، كل شوقك لله وحده تبارك وتعالى (اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ).
من بعد ذلك ألست العبد الذي تجب عليه طاعةُ الرب؟ ألست الحر أمام كل الآخرين من غير الرب؟ والعبد أمام الواحد الأحد؟ وهكذا يريدك الإسلام أن لا تتخذ رباً إلا الله تبارك وتعالى، لأنه هو الذي خلق، وهو الذي دبّر، وهو المعبود بالحق وحده.
تقول لنا الآية الكريمة (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ) ٨ فكّروا في قدرة أخرى قد أخرجتكم من حالة الموت إلى حالة الحياة، ومن حالة العدم إلى حالة الوجود، وبعثت فيكم الروح في لحظة من اللحظات، فكّروا في قدرة محدودة، مخلوقة، محدثة تستطيع من داخلها وبإرادتها المستقلة غير التابعة لله أن تقدم لكم ذلك.
الآيات الكريمة تحمل أدلة فلسفية، والمعنى الطافح منها هي أنها تستنطق الفطرة. لله كتاب داخل الإنسان، لله حجة داخل الإنسان، وآيات التدوين تستنطق هذا الكتاب، تستنطق لغة الفطرة، تستنطق ضمير الفطرة، تستنطق وعي الفطرة وفهمها، ووعي الفطرة يعمل الظالمون دائما على إلغائه، ولغة الفطرة تعمل الأوضاع السيئة دائماً على قبرها.
الآيات الكريمة تريد أن تضعك أمام ذاتك، أن توفر لك وعي ذاتك، أن توفر لك اكتشاف ذاتك، أن تضعك أمام طبيعة وجودك لتتبوأ المكان الكبير لترتبط بالهدف الصحيح، لابد أن تعرف نفسك، ومن بعد ذلك ستعرف هدفك، وستعرف منهجك الذي يوصلك إلى هذا الهدف. ما لم نعرف أنفسنا سنبقى نجهل قيمتنا، ونجهل هدفنا، ونجهل المنهج الذي يتناسب مع هذه القيمة، ومع هذا الهدف.
(يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) ٩ نحن أحياء وقد خرجنا من تراب (وَ يُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) ١٠ من مظاهر إخراج الميت من الحي هذا الشجر الباسق الذي يستوقد به