محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٦٥ - الخطبة الأولى
تقول الأحاديث:
" يا أبا ذر! ليكن لك في كلّ شيء نيّة حتّى في النّوم والأكل" ١١.
النيّة العادية نيّة الفعل في حدّ ذاته، ومن غير وصف زائد تحصل قهرا لكل من لم يكن في غفلة ونوم، أنا لما آكل أكون في العادة ملتفتاً إلى أنّي آكل، لما أدخل المنزل أكون ملتفتا في العادة إلى أنّي داخل، ما هذه النيّة المقصودة هنا؟ المقصود هنا نيّة القربة، نيّة أن يكون النوم على طريق إصلاح البدن من أجل العبادة، أن يكون الأكل من أجل بناء البدن للتقوّي على الطاعة، نستطيع أن نعطي المباحات وجهَ حسنٍ يجعلها محل التقرّب إلى الله تبارك وتعالى. نرتفع بغاية الأكل، نرتفع بغاية الشرب، بغاية اللبس، حتى بغاية النكاح من أجل أن يكون كل ذلك عبادة لوجه الله تبارك وتعالى.
وعن الصادق (عليه السلام):" لا بدّ للعبد من خالص النيّة في كلّ حركة وسكون، لأنّه إذا لم يكن هذا المعنى يكون غافلًا" ١٢.
ليست الغفلة العادية، ليست الغفلة التي تعني ذهاب الإحساس بالخارج، وإنما الغفلة عن الهدف. الحركات ثلاث: حركة هدفها خير، حركة هدفها شر، حركة عابثة، الحركة العابثة والحركة بهدف الشر تعني غفلة الهدف، غفلة قيمة الإنسان، غفلة العلاقة بالله، غفلة اليوم الآخر. اليقظة في كل هذه الأبعاد وفي كل هذه الأمور لا تسمح بأن يأتي الفعل عبثا، ولا تسمح بأن يأتي الفعل بقصد الشر.
حين يكون الإنسان متوجها إلى قيمة نفسه، متوجهاً إلى أهمية الآخرة، متوجّهاً إلى عظمة الله تبارك وتعالى يُحاول أن تأتي كل حركاته، كل سكناته من أجل تمتين العلاقة بالله عزّ وجل، والصعود بالقلب في معراج الكمال في اتجاه الله سبحانه وتعالى.