محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥٤ - الخطبة الأولى
داخله في تطابق، وعلى خطّ واحد. ولا يعيش الانسان حالة الانسجام إلا بأن تتسق مواقفه مع فطرته وقد فطر على دين الله تبارك وتعالى.
يشقي الانسان نفسه أيّ شقاء إذا انقسم على نفسه، وإذا عاش في داخله حالة الانشطار والتعارض، بين دوافع المادة والروح.
الأساس الذي أتيح للانسان أن يبني عليه أفكاره، ومشاعره، وأوضاع حياته هو أساس الفطرة والايمان وفي ذلك انسجام وفي ذلك توافق، وأما أن يقيم الانسان بناءه الفوقي من أفكار ومشاعر وأوضاع على خلاف ما عليه قاعدة البناء وهي الفطرة ففي ذلك كل الانشطار، وكل التهافت وكل الشقاء. فالآية الكريمة تأمر بإقامة الوجه حنيفاً بلا ميل لا إلى يسار ولا إلى يمين. الأمر أن يقام الوجه على خطّ الدين، خط الفطرة، خط التوحيد ... أن يتجه الوجدان، أن تتجه المشاعر، أن تتجه الأفكار، أن تنشط الجوارح على خطّ مستقيم واحد هو خط الله وتوحيده تبارك وتعالى بلا ميل الى اليمين أو الى الشمال فليس من دون الصراط إلا السقوط في الشقاء.
نعم إن الدين فطرة وليس من صنع الخارج، الدين لا تزرعه التربية في النفس، ولا الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ولا عوامل الخوف والحزن وما إلى ذلك، الدين كما قرر القرآن الكريم فطرة، وأن الانسان لم يخلق الا على دين، ولم يخلق على دين متعدد، وإنما خلق على دين واحد وهو دين الله تبارك وتعالى دين التوحيد.
انظر إلى الانسان في كل وجوده، إنه يتجه دائما في كلّ وجوده وحياته الى الاستعطاء من مصدر واحد، مصدر يملك العطاء. الانسان مستقطب الى الله عزوجل ومتمحور حول الله عزوجل ومنشد الى الله عزوجل في كل خلية من خلاياه وفي كل ذرّة من ذرّاته. تطلب الخلية والذرة الوجود، وتطلب النظام، وتطلب الحركة، وتطلب الغاية، وتطلب المسار إلى الغاية، وليس من معط لأي شيء من ذلك إلا الله سبحانه وتعالى.