محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٩٠ - الخطبة الأولى
لو وعيتُ لما تكلّمت الكلمة الشجاعة إذا كنتُ أُقدِّر لنفسي أنها لا تتحمّل تبعتها، ولما أخذتُ بالناس إلى موقف صعب أكون أول المتراجعين عنه، هكذا ينبغي لكل واحدٍ منّا أن لا يقدم على شيء إلا وقد وطّن نفسه على هذا الشيء، وأن لا يقول كلمة إلا بعد أن يدرس تبعاتها، ويجد من نفسه الصبر على هذه التبعات، هكذا يعلّمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
" قال: أسود بن أصرم: يا رسول الله أوصني؟ فقال: أتملك يدك؟ قلت: نعم، قال فتملك لسانَك؟ قلت: نعم، قال صلّى الله عليه وآله: فلا تبسط يدك إلّا إلى خير، ولا تقل بلسانك إلّا معروفاً" ٢.
الملك التكويني من الشخص ليده وبدرجة من الدرجات حاصل لكل واحد منا، فيدي عضو مني، ولساني عضو مني، ولي سلطان تكويني عليه بفيض من الله تبارك وتعالى. وتبقى ملكية أخرى ملكية الإرادة، وتحكّم الإرادة في اليد وفي اللسان وفي كل جارحة من الجوارح. وأن يكون سلطان المرء على جوارحه لعقله ودينه وإرادته النابعة من العقل والدين هذا هو محل التحدي، وهذا المحك والامتحان.
عظيم جدّا أن يملك أحدنا يده ولسانه فلا يضعهما وغيرهما من الجوارح إلا في الموضع الذي أراد الله تبارك وتعالى، ومن هو المسلم؟ المسلم هو الذي لا يبسط يده إلا إلى خير، ولا يقول بلسانه إلا معروفاً.
وأعني بالمسلم هنا المسلم المتأدّب بأدب الإسلام، المتخلّق بأخلاقه، الذي جاءت شخصيته شخصية إسلامية بحق.
" قال رجل للنبي صلّى الله عليه وآله: أوصني؟ فقال صلّى الله عليه وآله: احفظ لسانك، ثمّ قال: يا رسول الله أوصني؟ ٣ فقال: ويحك وهل يكبّ النّاس على مناخرهم في