محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٧٠ - الخطبة الأولى
النفس، تأخذ في الاختفاء، يصيبها اضمحلال في الظهور والتجلِّي، وحينئذ تكون الحالة السائدة الظاهرية في النفس هي حالة الكفر. فلا غواية إلا ومبتدأها الإنسان، الهداية مبتدأها فيض الله، وتنمو بتربية الله وتوفيقاته، أما الغواية فتبدأ من تمرّد في داخل الإنسان، وتنكُّر في داخل الإنسان لرصيد الهدايات الأولية الموهوبة له من الله سبحانه وتعالى.
وتقول الكلمة عن عليٍّ عليه أفضل الصلاة والسلام:" كلّ صانع شيء فمن شيء صَنَع، والله لا من شيءٍ خلق ما صنع" ٣.
" كلّ صانع شيء فمن شيء صَنَع": الأرض تصنع الصاروخ، تصنع القمر الصناعي، الأرض لها مصنوعاتها الكثيرة، ولكن ليس من شيء من مصنوعات الأرض جاء من فراغ على الإطلاق، جاء من مادة يسّرها الله، ومن عقل خلقه الله، وإرادة وهبها الله تبارك وتعالى، وهدايات وتوفيقات خاصة. الشيء الذي أُكرِّره ويتحدى العالم كلَّه هو أنّه فليمتحن العالم نفسه بكل علمائه وقدراته وطاقاته ومواهبه بأن يحاول أن يزيد هذا العالم ذرّة من لا شيء، حبّة رمل من لا شيء، يستحيل كل الاستحالة على كل هذا العالم أن يخلق خلقاً جديداً لا أصله له.
وهذه معنى كلمة عليٍّ عليه السلام:"" كلّ صانع شيء فمن شيء صَنَع".
" والله لا من شيءٍ خلق ما صنع": الله وحده هو الذي صنع هذه المصنوعات كلّها ليس من أصل شيء إلا محض قدرته، وإطلاق إرادته. والمادة التي صنع منها العالم لم تأت من فراغ بلا فاعل، ولم تكتب لنفسها الوجود، وإنما أوجدتها القدرة المطلقة والوجود الحق الغني عن الإيجاد.
اللهم صل على محمد وآل محمد، واغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.