محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٢٠ - الخطبة الأولى
وإنه لا استقلال للعبد أبدا (إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ وَ إِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ) (). لا ناصر للعبد من داخل
نفسه لو أراد الله هزيمته، ولا ناصر للعبد من كل القوى العالمية لو أراد الله هزيمته، والنصر إذ يتحقق يتحقق عبر الأسباب، ولكنَّ كل الأسباب كما تقدّم لا فاعلية لها من دون إرادة مسبِّب الأسباب، ولا إنتاجية لها إلا بتقديره، إنه التوحيد، التوحيد الذي يجعلك تشعر في كل مواقعك، وفي كل نجاحاتك، وفي كل نشاطاتك بأنك محكومٌ لإرادة الله عز وجل، وما أنت في فاعليتك، وما أنت في تفكيرك، وما أنت في إنتاجيتك إلا سبب من أسباب قدرها الله تبارك وتعالى، وما أنت إلا شيء من إفاضات الله عز وجل في هذا الكون.
يقول الحديث عن الرسول صلى الله عليه وآله:" ... إنّ المعاصي يستولي بها الخذلان على صاحبها حتّى توقعه بما هو أعظم منها" ().
هناك مقدمته توفيق، ويقابل التوفيق الخذلان، التوفيق له مقدمة من العبد، والخذلان له مقدمة المجانسة من العبد. التوفيق طريقه الطاعة، والأخذ بمنهج الله، واللجأ إليه، الخذلان طريقه الاستكبار على الله عز وجل، ومن الاستكبار على الله الاستكبار على الأسباب التي سببها الله عز وجل والانفصال عن منهجه. وأكبر الخذلان ما كان تركاً للعبد ونفسه فيما يتعلق بأمر المصير من الجنة والنار.
وإن المؤمن ليُعامل من قبل الله عزّ وجل معاملة غير معاملة الكافر، نقول هذا لأنه سيدخل في نفسية البعض بأن الكافر قد يُحقق نجاحات أكبر مما يحققه المسلم. يلتفت إلى أن الله يمهل، وأن الله يستدرج، وأن الله يمتحن، وأن الله يؤدب، وأن المؤمن حسابه وهو عالم بمنهج الله وقد آمن به، وأبصر من أمر الدين ما أبصر، فهذا المؤمن يعامله الله عز وجل حتى في الدنيا معاملة على قدر وعيه، وقد لا يعامل الكافر نفس المعاملة التي يعامل بها المؤمن في مجال معيَّن. وما قد يتراءى للعين العادية نجاحاً هو في حقيقته إخفاق لكونه