محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٣١ - الخطبة الثانية
حياد يرفضه الإسلام، ويواجهه كتاب الله وسنة المعصومين عليهم السلام، ولا يأتي موقف التفرج إلا في نزاعات أهل الضلال والتي ليس فيها حق يُنتصر له، وإنما كلّها باطل. أما في صراعات الحق والباطل، والصحيح والخطأ فلا يسع الإنسان المسلم أن يساوي بين الحق والباطل، والنافع والضار، ويلزمه التفريق ولو على مستوى الشعور والحب والكره والنية في القلب حين لا تُتاح له فرصة التعبير. أبوّتان: أ- أبوّة علمائية مسؤولة ومراقبة، وشاهدة وموجّهة ومشجّعة ورائدة، ومربّية ومرشدة وهادية ومؤثّرة ومضحّية. وهذه الأبوة في أكبر مستوى لها، وأنصع صورة وأجلى حقيقة إنما تتمثل في أبوّة الرسول الخاتم صلى الله عليه وآله، وعليّ بن أبي طالب وبنيه عليهم السلام لهذه الأمة، وينبغي أن تأتي أبوّة العلماء الصادقين المخلصين من جنس هذه الأبوّة، وعلى خطّها، وإن لم تبلغ مداها، ولم ترقَ رقيّها، وهي واجبة على العلماء. ب- أبوّة علمائية معزولة ومتقاعدة ومشلولة وشكلية وقاعدة ومؤتمرة، ووسيلة دعاية وتبرير من هذا الطرف وذاك الطرف في محاولة لكسبه الجماهير المؤمنة وقاعدة الأمة. أبوّة بلهاء مستغفلة مستغلّة وواجهة خداع لها نفسها وللأمة. وهذه أبوّة يرفضها الإسلام رفضه للزور والظلم والعدوان، وينكرها المؤمنون ويأباها تاريخ العلماء، وتبرأ منها سيرتهم ووضاءتها الكريمة، ووعيهم ونباهتهم وما ربّاهم عليه الإسلام. والمجلس العلمائي يأخذ بما دعا إليه إسلامه من الحياد الإيجابي، والأبوّة الحيّة الفاعلة، من دون أن يفرض نفسه على أحد، أو يُكره أحدا، وهي أبوّة علماء لرجال لا أطفال، رجالٍ يُستقبل رأيهم بتقدير، ويُنظر إلى وجهة نظرهم باحترام، ويُحتاج إلى مشورتهم، ويملكون أن يقدّموا الدراسات الكافية والآراء الناضجة، وأن يُحرّكوا ويقودوا ويبدعوا وتنتظم بهم الأمور، وتُبنى الأوضاع، وتتقدم المسيرة. حين نتحدث عن أبوة علمائية لا نتحدث عن أبوّة لأطفال، إنما نتحدث عن أبوّة لشعب واعٍ قادر على الفعل، قادر على العطاء، قادر على تقديم الرأي والمشورة، شعب لا بد أن يُحترم رأيه طبقاً لحدود الله وفي ضوء أحكامه.