محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٥٢ - الخطبة الثانية
الفقه الواصل للفقهاء وللمتشرِّعة يرشد إلى الأخذ في المسألة بالحجّة الوجدانية، والتعبد فيها بالحجة الشرعية، وعدم التقدّم عليهما أو التخلّف عنهما، وكلا الحجتين لا يؤديان بشكل حتميّ إلى وحدة الموقف، التوحّد الاعتباطي الكيفي في مسألة الهلال غير مقدورة شرعاً، والتوحّد الشرعي الطريق إليه ليس مفتوحاً بسهولة لأن الطريق الوجداني وهو أن أرى الهلال مثلا بنفسي لا يعني أن الآخرين يرونه معي، والطرق الشرعية المهولة يمكن أن تؤدي إلى اختلاف المكلّفين في الموقف، فالبيّنة قد تكون عادلة عند شخص ولا تكون عادلة عند شخص آخر. الشياع اشترطوا فيه أن يوجب العلم، والنفوس تختلف في تلقّيها، وفي درجة تصديقها سرعة وبطئاً، فالشياع الواحد بكل أبعاده ومواصفاته وقرائنه السلبية والإيجابية قد يُعطي يقيناً لشخص، واطمئناناً لشخص آخر، وظنّاً لشخص ثالث، ويُبقي على حالة الشك عند شخص آخر، وحكم الحاكم الشرعي وقع الاختلاف فيه، فإذاً ينبغي للمسلمين والمؤمنين أن يعملوا مقدار الجهد وبكل طاقة أوتوها على توحيد الموقف ولكن ليس عليهم أن يفرضوا دائماً أن الموقف يجب أن يتوحّد.
ما بيدنا لتلافي الاختلاف في المسألة ثلاثة أمور فيما أرى:
أولًا: الإعداد الجيّد للاستهلال، وهذه أكبر مقدّمة يُتوقّع لها الإنتاج. يمكن أن يُنتقى من كل قرية ومن كل منطقة عدد من المؤمنين ممن يتوفرون على سلامة البصر وقوّته، وممن يُعرفون بالوثاقة فإذا بلغ العدد مائة مثلا في البحرين من أناس يتمتعون بالوثاقة في الأوساط المؤمنة، ويحملون الشهادة الطبية لسلامة البصر هنا سنتوفر على مقدمة جيّدة جداً تعين على طريق إثبات الهلال أو عدمه، إذا كان هناك هلال فسنحصل على عدد يُطمئن إليه من الشهود من هذه الشريحة المتميّزة، وهذا أمر ليس بالصعب، ويمكن أن يُراجع في ذلك المجلس العلمائي ليقوم بإتمام العملية بكاملها.
الأمر الآخر: هو أن يلتفت الإخوة المؤمنون إلى أن الخلاف على مسألة الهلال قد يأتي خلافاً على مسألة شرعية ولا غير، وقد يفرض نفسه أحياناً ليس على الساحة البحرينية فقط وإنما على كل ساحاتنا الإيمانية والإسلامية وفي كل مكان. فبرغم عدالة الفقهاء وحرصهم على وحدة الموقف، وإدراكهم لخطورة الاختلاف إلا أن الظروف الموضوعية للاستهلال ومجمل ما يدخل في هذه العمليّة قد يفرض عليهم الاختلاف في موقف الإثبات للهلال وعدمه.