بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٥٠ - ٣- الأمر الثالث في بيان الملاكات التي ذكرت، و تحقيق حالها
يشرّع هذا الفعل، و عليه، فهو يعلم بأنّ الأمر بهذا الفعل، و عدم الأمر به، ليس إلّا من جهة عدم وفائه بالمصلحة، فيكون هذا الفعل قاصرا ذاتا عن الوفاء بالمصلحة، و حينئذ، فإذا أتى المكلف به، يكون باطلا لهذا القصور، مع قطع النظر عن الحرمة التشريعية المترتبة على إتيانه به مسندا له إلى اللّه تعالى.
و أمّا بالنسبة للتشريع بالنحو الثاني، و هو أن يأتي المكلف بالفعل، و يسنده إلى اللّه تعالى، مع أنّه يشك في تشريع اللّه تعالى له:
فإنّه من المعلوم، أنّ هذا النحو لا يستبطن البطلان بملاك القصور الذاتي، و ذلك لاحتمال كون هذا الفعل ذا مصلحة في الواقع، لأنّ المفروض أنّه يشك في تشريعه، لا أنّه يجزم بعدمه، و إنّما البطلان في هذا النحو، إنّما هو لعجز المكلّف عن قصد القربة المعتبر في صحة العبادة، و يقرّب ذلك بوجوه:
١- الوجه الأول، و حاصله، هو: إنّ الإتيان بهذا الفعل محرم تشريعا، و الحرمة التشريعية، كما تكون متعلقة بالفعل القلبي الذي هو عبارة عن إسناد الفعل للمولى، كذلك تكون متعلقة بالفعل الخارجي المأتي به، لأنّ التشريع يكون وجها من وجوه الفعل، و عنوانا من عناوينه، و حينئذ، فيحرم الفعل بهذا العنوان، و يصير حال هذا الفعل حال العبادة المحرمة حرمة ذاتية، كالصلاة في الأرض المغصوبة، بناء على امتناع اجتماع الأمر و النّهي، و حينئذ، فيثبت البطلان هنا بالملاك الذي أثبت به البطلان هناك.
٢- الوجه الثاني، هو: إنّه لو تنزّلنا، و قلنا: بأنّ الحرمة التشريعية تكون متعلقة بالإسناد القلبي فقط، و لا تسري إلى الفعل الخارجي، فمع هذا يثبت البطلان، لأنّ هذه الحرمة تثبت إنّ القصد المحرك نحو العمل قصد غير إلهي لأنّه محرم، و إذا لم يكن القصد إلهيا، فتبطل العبادة المأتي بها لفقدان قصد القربة.
٣- الوجه الثالث: هو: إنّنا لو تنزلنا و قلنا: إنّ التشريع غير محرم