بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٤٥ - ٣- الأمر الثالث في بيان الملاكات التي ذكرت، و تحقيق حالها
يوجب بطلان العبادة، فهل إنّ النّهي الكراهتي يوجب بطلانها أم لا؟.
و تحقيق الحال في هذه المسألة هو: إنّ كراهة العبادة، تارة يقصد به كونها أقل محبوبيّة، و فضيلة من غيرها، سواء أ كانت هذه الأقليّة، ذاتيّة، أو عرضيّة، ناشئة من التزاحم بين محبوبيّة هذا الفرد المكروه، كالصلاة في الحمّام، و بين مبغوضيته المستكشفة من النّهي، فبعد الكسر و الانكسار، يوجب ذلك منقصة الصلاة في الحمّام عن سائر أفراد الصلاة بالنسبة للمحبوبيّة، فبناء على أنّ كراهة العبادة ترجع إلى ذلك أي إلى النقص في المحبوبيّة، فلا يكون النّهي الكراهتي حينئذ موجبا للبطلان، لأنّ الصلاة في الحمّام على هذا المبنى، تكون مصداقا لمتعلق الأمر، و مشمولة للأمر، فيمكن التقرب بها بعد فرض كونها محبوبة، و معه تقع صحيحة.
و تارة أخرى يقصد بكراهة العبادة، كونها مبغوضة فعلا، غايته، أنّ هذه المبغوضيّة مبغوضيّة ناقصة، يمكن اجتماعها مع الترخيص بها.
و حينئذ، فإمّا أن يبنى على استحالة اجتماع الأمر و النّهي، و لو كان كراهيا.
و إمّا أن يبنى على الجواز، فإن بني على الامتناع، فحينئذ، يكون النّهي الكراهتي مقتضيا لفساد العبادة بالملاك الأول للفساد، و الوجه في ذلك هو، إنّ هذا النّهي يكشف «إنّا» عن قصور ذاتي في هذه العبادة، و أنّها لا تفي بالمصلحة الوجوبيّة، لأنّه لو كانت وافية بهذه المصلحة، لكانت محبوبة، و من المعلوم أنّ المحبوبيّة اللزوميّة تقدم على المبغوضيّة الكراهيّة في مقام التزاحم، فبعد الكسر و الانكسار، تكون هذه العبادة محبوبة، غايته، أنّها تكون أقلّ محبوبية من سائر الأفراد، و هذا خلف فرض كونها مبغوضة فعلا.
و عليه: فلا بدّ و أن يكون هذا كاشفا عن أنّ المحبوبيّة اللزوميّة غير شاملة لهذه الحصة من العبادة المكروهة، و مع عدم كونها مشمولة لها، تكون قاصرة ذاتا عن الوفاء بالملاك و المصلحة.