بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٤٦ - ٣- الأمر الثالث في بيان الملاكات التي ذكرت، و تحقيق حالها
و بهذا يثبت، إنّ النّهي الكراهتي، كشف عن قصور ذاتي في هذه العبادة، و هذا يعني، بطلانها بالملاك الأول.
و إن شئت قلت: إنّه لو افترضنا أنّ النهي كان ناشئا من مبغوضيّة فعليّة في هذا الفرد، فتارة نلتزم بامتناع اجتماع الأمر و النّهي حتى مع النّهي الكراهتي، و أخرى، نلتزم بإمكان اجتماع الأمر و النّهي الكراهتي.
فإن التزمنا بامتناع الاجتماع، و مع هذا افترضنا وجود النّهي الناشئ من مبغوضيّة فعليّة لمتعلقه، فلا بدّ حينئذ من الالتزام ببطلان العبادة، على أساس الملاك الأول من ملاكات اقتضاء النّهي للفساد المتقدمة، لأنّ مثل هذا النّهي الناشئ من مبغوضيّة متعلقه، يكشف لا محالة عن عدم محبوبيّة متعلقه، لعدم إمكان اجتماع الحب و البغض في شيء واحد، و عدم محبوبيّة هذا الفرد، يكشف عن أنّ تلك المصلحة الإلزامية للعبادة، التي تكون ثابتة في الجامع، بين الأفراد، غير ثابتة في الجامع الشامل لهذا الفرد المنهي عنه، إذ لو كانت ثابتة في الجامع بين هذا الفرد و بين بقيّة الأفراد، لكان هذا الجامع محبوبا بملاك إلزامي.
و بناء على امتناع اجتماع الأمر و النّهي، و افتراض عدم تماميّة ملاكات جواز اجتماع الأمر و النّهي، فإنّه لا بدّ و أن يسري هذا الحب من الجامع إلى الحصة و الفرد، فيقع التزاحم بين هذا الحب الذي يكون بملاك إلزامي و بين بغض هذا الفرد، الذي يكون بملاك كراهي، و بعد التزاحم، لا بدّ و أن يزول البغض أمام الحب، لأقوائيّة ملاك الحب بحسب الفرض، مع أنّ المفروض أنّ هذا الفرد المنهي عنه مبغوض بالفعل بالبغض الكراهتي.
إذن فالمبغوضيّة الفعليّة لهذا الفرد، المستكشفة من النّهي، تكون دليلا على أنّ الجامع المنطبق على هذا الفرد، ليس واجدا لملاك المأمور به.
و هذا يعني، أنّ هذا الفرد من العبادة، يقع باطلا بنكتة قصوره الذاتي، و عدم وجدانه للملاك.