بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٤٣ - ٣- الأمر الثالث في بيان الملاكات التي ذكرت، و تحقيق حالها
شيطاني، و هو مبعّد. و قد اشترك كلا هذين الداعيين في إبراز هذا الفعل، فيكون هذا الفعل مقربا بلحاظ نشوئه من الداعي الأول، و مبعدا بلحاظ نشوئه من الداعي الثاني.
و عليه، فالنحو الثاني من التنافي أيضا غير موجود، و بذلك يثبت عدم تماميّة هذا الملاك.
و إن شئت قلت: إنّه إن كان المقصود أنّه يستحيل أن يكون شيء واحد سببا للاقتراب و الابتعاد، فهذا صحيح، إلّا أنّه في المقام لا يلزم من إمكان التقرب، أن يكون السبب واحدا، فإنّه اتضح في الجواب على البرهان الخامس، أنّ المقرّب و المبعّد ليس هو الفعل الخارجي، كي يقال: لا يوجد إلّا فعل واحد، و إنّما السبب للتقرب و الابتعاد، هو الداعي، و الداعي في المقام متعدد، إذ يوجد داعي امتثال الأمر، و يوجد داعي عصيان النّهي، فليكن أحدهما مقربا، و الآخر مبعدا.
٧- الملاك السابع: و فيه نرجع المسألة بالتحليل إلى مسألة فقهية، فنقول: إنّه قد اتضح من مناقشة الملاكات السابقة، أنّ النّهي عن العبادة لا يقتضي عجز المكلف و قصوره عن الإتيان بالعمل بقصد القربة، بل هو قادر على قصد التقرب، و إلى جانب هذا القصد يوجد قصد عصياني مترتب على النّهي الواصل المنجّز، و لذا انتهينا في مناقشة الملاك الخامس إلى أنّ هذا المكلف ينقدح في نفسه داعيان: إلهي، و شيطاني، و الفعل مستند إلى مجموع الداعيين، لكن بنحو يكون كل منهما صالحا للاستقلال في المحركيّة.
و حينئذ، فإن قلنا في باب العبادات فقهيا: إنّ المعتبر في صحة العبادة مجرد وجود داع قربي، فتصح هذه العبادة حينئذ، لأنّ هذا الداعي موجود.
و إن قلنا: إنّ المعتبر هو التمحض في الداعي القربي، فتبطل، لأنّها لم تتمحض بذلك. و هذا الملاك لو تمّ، فهو يثبت البطلان منوطا بوصول النّهي و تنجزه، لأنّ العصيان يتحقق بذلك. و أمّا مع عدم وصول النّهي فلا