مفتاح الفلاح – ط جماعة المدرسين - الشيخ البهائي - الصفحة ٧٩٧ - تفسير صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم و لا الضالين
هذا و في عدوله سبحانه عن إسناد الغضب إلى نفسه جلّ شأنه مع التصريح بإسناد عديله أعني: النعمة إليه عزّ سلطانه تشييد لمعالم العفو و الرحمة، و تأسيس لمباني الجود و الكرم، حتّى كأنّ الصادر عنه هو الإنعام لا غير، و أنّ الغضب صادر عن غيره سبحانه، و إلّا فالمناسب بعد قوله عزّ و علا: «صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» أن يقول غير الذين غضبت عليهم.
______________________________
«لا» مزيدة لتأكيد ما في غير من معنى النفي.
قوله: تشييد لمعالم العفو و الرحمة.
و مثله بل أحسن منه قوله عزّ اسمه «نَبِّئْ عِبادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَ أَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ»[١] و في الخبر عن سيّد البشر ٦ أنّه قال: ليغفرنّ اللّه تعالى يوم القيامة مغفرة ما خطرت قطّ على قلب أحد، حتّى أنّ ابليس ليتطاول لها أن تصيبه[٢].
أقول: و كيف لا يكون كذلك، و هو عزّ اسمه كتب على نفسه الرحمة، و آية رحمته «رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ»[٣] و هو الجواد المطلق الذي لا يرحم لمنفعة تعود اليه، و لا مضرّة يدفعها عنه، و كلّ رحيم سواه فرحمته لغرض من الأغراض: إمّا ثناء دنيويّا، أو أجرا اخرويا، أو رقّة ناشئة من الجنسيّة، أو نحو ذلك.
و ممّا يناسب ايراده في المقام ما رواه بعضهم: انّه اوقف على صبيّ في بعض الغزوات ينادى عليه بمن تريد في يوم صائف شديد الحرّ، فبصرت به امرأة و هو ينادى عليه، فعادت مسرعة اليه و أخذته و ألصقته الى بطنها، ثمّ ألقت ظهرها على البطحاء و أجلسته على بطنها تقيه الحرّ، فتقول: ابني ابني،
[١] سورة الحجر: ٤٩- ٥٠.
[٢] بحار الأنوار ٧: ٢٨٧.
[٣] سورة الاعراف: ١٥٦.