مفتاح الفلاح – ط جماعة المدرسين - الشيخ البهائي - الصفحة ٧٨١ - تفسير إياك نعبد و إياك نستعين
الآثار إلى ارتفاع الأستار
______________________________
بالآخرة اليه، و هذا من أوضح الطرق المسلوكة عندهم، و أقربها الى سواحل البحر، و
بساط الزلفة و المداناة التي لا يتغيّر صاحبها لعلّة القهر، و لا يزول عنها
بالحجاب و الستر.
و حاصله: انّ الذكر القلبي من أعظم علامات المحبّة، لأنّ من أحبّ أحدا ذكره دائما أو غالبا، و انّ أصل الذكر عند الطاعة و المعصية سبب لفعل الطاعة و ترك المعصية، و هما سببان لزيادة الذكر و رسوخه، و هكذا يتبادلان الى أن يستولي المذكور، و هو اللّه سبحانه على القلب و يتجلّى فيه، فالذاكر حينئذ يحبّه حبّا شديدا، و يغفل عن جميع ما سواه حتّى نفسه، إذ الحبّ المفرط يمنع عن مشاهدة غير المحبوب.
و هذا المقام يسمّى مقام الفناء في اللّه، و الواصل الى هذا المقام لا يرى في الوجود الّا هو، و هذا معنى وحدة الوجود، لا بمعنى أنّه تعالى متّحد مع الكلّ، فانّه محال و زندقة، بل بمعنى أنّ الموجود في نظر الفاني هو لا غير، لأنّه تجاوز عن عالم الكثرة و جعله وراء ظهره و غفل عنه.
قوله: الى ارتفاع الأستار.
في كون المقصود من الالتفات هنا هذا تأمّل، فانّه لا يصلح أن يكون نكتة له الّا بالاضافة الى بعض السالكين في بعض أحوال سلوكه، و هو حال عروجه الى سماء الحقيقة.
فانّه و الحالة هذه ترتفع عنه الاستار، و تضمحلّ عن نظره الأغيار، فلا يرى في الوجود الّا الواحد الحقّ و الجمال المطلق، و لكنّه وقتئذ لاستغراقه في الفردانيّة المحضة، و استيلائها على عقله، صار كأنّه مبهوت فيه مغشّي عليه، كما