مفتاح الفلاح – ط جماعة المدرسين - الشيخ البهائي - الصفحة ٣٦٤ - مراتب المعرفة و طرقها
و نظير هذه المرتبة في معرفة اللّه تعالى معرفة أهل الشهود و الفناء في اللّه،
______________________________
هذه الحالة و التجاؤه الى ربّه ليس الّا لأنّه رأى ما سواه مفتقرا خاشعا لديه
خاضعا بين يديه، بل لم ير موجودا سواه و لا ملجأ الّا ايّاه، و عليه فقس سائر
المراتب.
و الأنسب بمسلك الشيخ أن يقال: لمعرفة اللّه تعالى مراتب متخالفة:
الاولى منها: معرفة أفعاله، أي: تصوّر آلائه و التفكّر في نعمائه.
الثانية: معاينة أفعاله و مكاشفة علوم تجلّيات صفاته.
الثالثة: مشاهدة أنوار كليّات الصفات مع ملاحظة الذات.
الرابعة: مشاهدة جمال الذات مع بقاء الاثنينيّة.
الخامسة: مشاهدة الذات و هو الشهود الذي بارتفاع الاثنينيّة و محو توهّم الغيريّة. و في هذه المرتبة ترتفع الحجب من البين و يتحقّق الوصول من الأثر الى العين، و هو الشهود الذاتي الذي يحصل بارتفاع الغير عن النظر بالكليّة.
قوله: معرفة أهل الشهود.
و ستأتي جملة أحوالهم في أواخر الكتاب في تفسير سورة الفاتحة، و النكتة المختصّة بالالتفات في إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
قوله: و الفناء في اللّه.
من أحبّ اللّه ذكره، فكلّما اشتدّ حبّه زاد ذكره الى أن يستولي المذكور و هو اللّه سبحانه على قلبه و يتحلّى فيه، فهو حينئذ يحبّه حبّا شديدا، و يغفل عن جميع ما سواه حتّى عن نفسه، إذ الحبّ المفرط يمنع عن مشاهدة غير المحبوب، و هذا المقام يسمّى مقام الفناء في اللّه، و الواصل اليه لا يرى في الوجود الّا هو، و هذا مقام عزيز المثال يعبّر عنه بدار الوصال، و لذا تمنّى الوصول اليه و الوقوف عليه.