محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٣٥ - الخطبة الثانية
تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما بِالْعَدْلِ وَ أَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ٧.
فئتان تتقاتلان بالسيف في العراق، فئتان تقاتلتا بالسيف: فئة علي عليه السلام وفئة معاوية، علي إمام الحق المعصوم، ومعاوية الباغي، الخارج عن الحق، لكن الفئتين في نظر الإسلام مسلمتان على مستوى وجوب حفظ الدم، وجوب حفظ العرض، وجوب حفظ المال خارج التقاتل الذي تسبَّب إليه الباغي وبدأ به.
الآية الثانية: (وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ... كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) ٨، وفي خطاب آخر للذين آمنوا: (وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ) ٩.
الآية الأولى تخاطب المؤمنين في قبال أهل الكتاب، فالناس فيهم فريقان: فريق أهل الكتاب وفريق المؤمنين الذين تأمرهم بالاعتصام بحبل الله وعدم التفرق، فهي تتحدث عن أمة التوحيد بالصورة الإجمالية، وتشمل هذه الأمة أصحاب الآراء المتباينة، والمذاهب الفقهية المختلفة، وحتى أصحاب الخلافات التفصيلية في العقيدة التي لا تخرج بالقضية عن التوحيد بصورة عامة، وعن الإيمان بالرسالة والرسول (ص).
الأمة التي خوطبت بأنها أمة مسلمة ومؤمنة كانت تختلف في تصورها للتوحيد، كان تؤمن بوحدانية الله على وجه الإجمال، أما معنى التوحيد فيختلف في أذهانها اختلافا كبيرا جدا، وما كان يمكن أن يساوي التوحيد في صورته في نفس أعرابي أسلم اليوم مع صورة التوحيد في ذهن علي عليه السلام، في ذهن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لكن النبي مسلم وذلك الأعرابي الذي أسلم اللحظة مسلم من ناحية الحقوق الدنيوية العامة المترتبة على أصل الإسلام.