محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٥١ - الخطبة الثانية
والسياسة الأخرى هي سياسة تنطلق من حساب القيم والمصالح الحقيقية التي يعلمها الله، وتقوم عليها كل شرائعه. خذ هذا الانقسام من جهة.
ومن جهة أخرى: إنه لا أرض، ولا وطن بلا فوارق، ما من مجتمع إلا وفيه فوارق، فوارق دينية، فوارق مذهبية، فوارق قومية، فوارق قبلية، مجتمع الأسرة فيه فوارق، وهي الفوارق الشخصية، وفيه مصالح دنيوية قد تلتقي وقد لا تلتقي حتى بين الأخ وأخيه.
سياسة المصالح وهي تنطلق وراء هذه المصالح الدنيوية الذاتية لأصحاب السياسة، تقوم على استغلال الفوارق، والفوارق بين الناس دائما موجودة، فليكن سكّان الأرض من مذهب واحد، لكن تبقى بينهم الفوارق القبلية، تبقى بينهم الفوارق الطبقية، تبقى بينهم الفوارق المهنية، ما أكثر الفوارق بين الناس!!
السياسة الدنيوية المصلحية دأبها أن تستغل الفوارق وتستثيرها، وتخلق الصراع بين أهل هذه الفوارق من أجل بلوغ مآربها.
سياسة القيم تختطّ خطا آخر، تحاول أن تعالج آثار هذه الفوارق، توجّهها، تحدث التكامل في الأدوارس على أساسها، تجمّع الجهود من مختلف الخطوط لتصب في مصلحة الجميع.
هناك مثالان: سياسة القيم نستطيع أن نجد موقفها من الفوارق في مؤاخاة رسول الله صلى الله عليه وآله بين المهاجرين والأنصار. كان فارق كبيرة بين المهاجرين والأنصار، حروب قامت بينهما، وكان بإمكان رسول الله صلى الله عليه وآله من أجل أن يثبّت قدمه في المدينة أن يحابي قبيلة على حساب قبيلة، يحابي القبيلة الأقوى مثلًا على حساب القبيلة الأضعف أو العكس من أجل أن تسود كلمته، لكن سياسة القيم اتجهت اتجاها آخر فآخى رسول الله صلى الله عليه آله وسلم بين المهاجرين والأنصار، وأحدث تنسيقاً في