بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٥٢٨ - ٣- الأمر الثالث في بيان الملاكات التي ذكرت، و تحقيق حالها
٢- الملاك الثاني، و هو: يتنزّل عمّا ذكر في الملاك الأول، من أنّ النّهي يكشف عن نفي المصلحة رأسا، إلّا أنّه يدّعى فيه، بأنّ النّهي يكشف عن أنّ المصلحة في الفعل مغلوبة للمفسدة، و ذلك لأنّ النّهي الفعلي يكشف عن مفسدة فعلية، و مع فعليّة المفسدة تكون المصلحة مغلوبة، و معه لا يمكن للعبد أن يتقرب بهذا الفعل، لا من ناحية الأمر، لأنّه لا أمر في ظرف فعليّة النهي بعد البناء على امتناع اجتماع الأمر و النّهي، و لا من ناحية الملاك، لأنّه مغلوب.
و عليه، فيقع هذا الفعل باطلا، و غير مجز، و هو المطلوب.
و هذا الملاك، إن تمّ، فهو ينتج: إنّ بطلان الفعل لا لقصور ذاتي فيه، كما كان في الأول، لأنّ المفروض هنا، أنّ الفعل لم يفقد ملاكه، غايته أنّه مغلوب، و إنّما يكون البطلان من جهة عدم إمكان التقرب، و يترتّب على ذلك، إنّ هذا الملاك، إن تمّ، فهو يختص بالعبادات، لأنّ البطلان بسبب عدم إمكان قصد القربة، إنّما يكون بالنسبة للعبادات، حيث يشترط فيها هذا القصد، و أمّا غيرها فلا يشترط فيه.
و من هذه الناحية أيضا، افترق هذا الملاك في النتيجة عن سابقه.
نعم، يتفق هذا الملاك مع السابق، في أنّ البطلان مستند إلى وجود النّهي واقعا، لأنّ نكتة البطلان، هي مغلوبية المصلحة، و هذا تابع لوجود النّهي واقعا، و يترتّب على ذلك، أنّه في فرض الشك يحكم بالصحة ظاهرا.
ثمّ إنّه بناء على فرض تماميّة هذا الملاك، فإنّه يتم في جميع أقسام النّهي المتقدمة، عدا القسم الرابع، و هو الذي يكون النّهي فيه ناشئا عن مصلحة في نفس جعله، ففي هذا القسم، النّهي لا يكشف عن مفسدة في المتعلّق، و عليه، فلا يكون كاشفا عن مغلوبية في المصلحة، لأنّ المصلحة لم تندكّ ضمن مفسدة أقوى لتكون مغلوبة، حيث أنّه لا مفسدة في المتعلق أصلا، كما عرفت.