بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١١٦ - التنبيه الثاني هو إنّه بعد هذا البيان العام في ضابط الترتب و إمكانه، نستعرض الأقسام التي ذكرها المحقق النائيني
الأمر: و الفرد الثاني، هو: القدرة التكوينيّة التدريجية، بحيث أنّ المكلف حين يغسل وجهه لا يكون قادرا على أكثر من ذلك، ثم تحدث له القدرة تدريجيا كما لو كان لديه قطعة ثلج تذوب تدريجيا، فهو واجد للماء على مراحل.
و لا شك في أنّ كلا من هذين النّحوين من التكوينيّة، يكفي في إيجاب الوضوء فكما يجب في الحالة الأولى يجب في الثانية.
إذ تارة يجد ماء بلا محذور شرعي، بحيث يكفي لوضوئه كله من أول الأمر.
و تارة أخرى يجد الماء بلا محذور شرعي بالتدريج، و معناه، إنّ القدرة المأخوذة في وجوب الوضوء، أعم من وجدانها دفعيا أو تدريجيا، فالمكلّف الذي يغترف غرفة بعد غرفة لوضوئه، و إن كان غير واجد لماء تمام وضوئه وجدانا شرعيا فإنه حينما يأخذ ماء وجهه، و يرتكب المحرم، لا يبقى محذور في غسل وجهه، ثمّ يعصي مرة ثانية فيغترف لليمنى، ثم هكذا لليسرى.
إذن المناط هو انتفاء المحذور الشرعي عند التلبّس بالوضوء، فكما أنّ الوجدان التكويني يكفي، فكذلك الوجدان التدريجيّ التشريعيّ يكفي.
و بتعبير آخر يقال: إنّ السيد الخوئي (قده) حكم بصحة الوضوء، حتى في صورة الانحصار بدعوى: أنّ القدرة تتجدّد عند كل جزء من أجزاء الوضوء بالعصيان، و بارتكاب المحرم، حيث أنّ المكلّف بعد ارتكابه المحرم، و اغترافه الماء من الآنية المغصوبة، يقدر على الوضوء بمقدار غسل الوجه، و بما أنّه يعلم بارتكابه المحرم ثانيا و ثالثا إلى أن يتم الوضوء فهو يعلم بطروّ التمكن عليه من غسل سائر الأعضاء، فعندئذ لا مانع من الالتزام بثبوت الأمر به مترتّبا على عصيانه، بناء على ما ذكرنا من صحة الترتّب و جوازه، و إنّ وجود القدرة في ظرف الإتيان بالأجزاء اللاحقة، شرط لوجوب الأجزاء السابقة على نحو الشرط المتأخر.